طبيعي أن يسعى كل طرف من أطراف أي تكتل دولي إلى إتخاذ الأجراءات التي تحمي أمنه القومي وتحافظ على مصالحه الحيوية، وبغير ذلك يكون إطار أي تجمع إقليمي أو دولي لا معنى له، إلم يكن ضاراً في أسس قيامه مما يهدد بقرب زواله، وكم من تجمع إقليمي تم إعلانه وسط احتفالات كبيرة، لكنه سرعان ما خبا بريقه وعاد إلى زوايا النسيان.
بالطبع يسعى القائمون على إعلان (الاتحاد من أجل المتوسط) المقرر اليوم في باريس إلى ضمان عوامل النجاح لهذا التجمع الجديد، ومن معالم التفاؤل بقيام هذا التجمع اجتماع الرئيسين السوري واللبناني والاعلان عن قيام علاقات دبلوماسية بين الشقيقتين سوريا ولبنان قريباً.
لكن تظل هناك هواجس عميقة بشأن مستقبل المصالح العربية في ظل قيام مثل هذا التجمع، فالتساؤلات الكبرى لا تزال مثارة حول مصير جامعة الدول العربية في ظل هذا (الإتحاد) ومصير عملية السلام التي تتلقى الطعنات في إثر الطعنات من اسرائيل بينما يتوجب ان يحتويها التجمع الجديد في إطار (تطبيعي مجاني) لا يعطي العرب او الفلسطينيين أي شيء يدعو إلى التفاؤل بمستقبل الاستقرار في الوطن العربي في ظل حالة التعنت الاسرائيلي غير المسبوق.
التطبيع في حد ذاته ليس مرفوضاً والتقارب مع كافة دول العالم القريبة والبعيدة يصب في صالح السلام العالمي، لكن إقبال العرب بحسن نيتهم المعهودة تجاه الوعود التي تساق إليهم على التماشي مع رغبات بعض الدول الكبرى من أجل التقارب مع اسرائيل يدفع اسرائيل في الحقيقة إلى مزيد من التهرب من التزامات السلام المنصوص عليها في القرارات الدولية والإتفاقات والتفاهمات السابقة و(اللاحقة).
ومن ثم يكون واجب العرب ألا يساعدوا في وضع العربة قبل الحصان، فيما يتعلق بالأمن القومي وأسس الاستقرار الاقليمي في منطقتنا العربية.
وهذا يقتضي أن يكون هناك اعلان مبادئ يلزم كافة اعضاء الاتحاد من اجل المتوسط بالتخلي عن النهج العدواني والتوجه بدلاً من ذلك إلى إحترام المواثيق الدولية، على الأقل كنتيجة طبيعية لالتزام العرب بالنهج السلمي في حل الصراع مع اسرائيل على وجه الخصوص، وكبادرة تقدير للتضحيات العربية التي بذلت من أجل إرساء أسس السلام القائم على العدل والقابل للاستمرار.
وفي هذا الشأن المطلوب من الجانب العربي في (الإتحاد) المرتقب، توضيح موقفه من الإتحادات التي تضم دوله وبعضها مضى على قيامها أكثر من ستين عاماً، ويجب أن يجيبوا عن الأسئلة الحائرة المتعلقة بمسيرة الوحدة التي ناضل من أجلها المناضلون العرب على مدى النصف الثاني من القرن الماضي وحتى الآن؟ ويظل الأمل قائماً في أن يلتزم الجانب العربي في (المتوسطي) بقضاياه المصيرية ووحدة أهدافه وتطلعات شعوبه، فالمخاوف عميقة في أن يتحول إطار الإتحاد المتوسطي إلى مجرد أداة للتطبيع مع اسرائيل وكفى، وفي هذه الحالة سيكون مصيره مصير ما اندثر من (إتحادات) سادت كفكرة ثم بادت كمضمون.
