يعلن اليوم في باريس في قمة تجمع رؤساء دول الاتحاد الأوروبي مع رؤساء الدول الواقعة جنوب البحر المتوسط قيام تجمع دولي جديد يحمل اسم «الاتحاد من أجل المتوسط».
وربما يكون من السابق لأوانه التكهن بمدى قدرة الكيان الجديد على تحقيق نقلة نوعية في علاقة تاريخية كانت وما تزال مضطربة بين ضفتي المتوسط، وما إذا كان مصيره سيختلف عن مصير «عملية برشلونة» التي أطلقت منذ العام 1995 من دون أن تحقق إنجازاً يعتد به حتى الآن.
ويبقى على دول الشمال التفكير جديا في آليات إحداث اتحاد سياسي واقتصادي وثقافي متوسطي ينطلق من فكرة المساواة.
ويتجاوز النظرة الاستعمارية الجديدة التي يراها البعض منطلقا للتشكيك العربي في جدوى الاتحاد، أما دول الجنوب فعليها أولاً تجاوز الخلافات السياسية للحفاظ على مصالحها وخلق جبهة موحدة أمام أي مناورة أوروبية للتطبيع مع إسرائيل. فمن الواضح وجود مفارقة كبرى بين طريقة التعاطي الأوروبي وطريقة التعاطي العربي مع مشروع ساركوزي المتوسطي.
فبينما أسفرت التفاعلات الأوروبية حول هذا المشروع عن صيغة توافق بين مصالح أوروبا المتباينة إلى حد التعارض، لم تتمكن التفاعلات العربية من التوصل إلى رؤية مشتركة لما يتعين أن يكون عليه الموقف العربي من مشروع موجه لهم بالدرجة الأولى في ظل غياب «أجندة عربية» مشتركة ونظام عربي قادر على تحديد سقف للعلاقات العربية مع العالم الخارجي.
وترى في فشل مشروع برشلونة المتوسطي سببا لتغليب كفة مقترحها، فغالبية الدول العربية تتحفظ على إشراك إسرائيل في الاتحاد من أجل المتوسط في غياب ضغط أوروبي فاعل لحل النزاع الفلسطيني الإسرائيلي وعبره الإسرائيلي العربي، وتنظر إلى مشروع الاتحاد كصيغة أوروبية مدروسة سلفا للتطبيع المجاني مع إسرائيل.
وإلى جانب الخلاف العربي الإسرائيلي يبرز الخلاف العربي، خصوصا في المنطقة المغاربية، فنزاع الصحراء الغربية يخيم منذ ثلاثة عقود على العلاقات المغربية الجزائرية، بشكل أصاب اتحاد المغرب العربي بالشلل، وجمد هياكله مما عاق عقد قمة زعماء دول المغرب العربي منذ أربعة عشر عاما.
غير أن الدول الأوروبية وعلى رأسها فرنسا صاحبة المشروع، تدعو إلى الانطلاق من نقط التفاهم وتأجيل الخوض في المواضيع الخلافية بغية خلق اتحاد يسمح بتنمية دول جنوب المتوسط يقي دول شمال الضفة من تصدير الهم الأفريقي نحو أوروبا.
وهو ما يستدعي على العرب وضع خطة مشتركة خلال هذه القمة وليس كل وفق أجندته الخاصة للمساهمة في إبطال كل محاولات تهميش دول الجنوب وفرض قرارات تجبرهم على التطبيع مع إسرائيل مقابل الحصول على مكاسب.
وهو الأمر الذي سيساهم دون شك في تغير دول شمال المتوسط على الاتحاد نظرتها بإنهاء الانقسامات الثقافية وتبديد الصراعات الدينية مع تجسير هوة الثروة بين دول ضفتي المتوسط. فالأوروبيون باتوا مقتنعين بأن الجزء اليسير من مشاكل أوروبا اليوم وليد سياسة قادة الاتحاد الأوروبي بالأمس، وتجاهل نداءات التنمية والمساعدة التي أطلقتها إفريقيا سابقا نقل الأزمة من جنوب إلى شمال المتوسط.
