اللعب الإسرائيلي بمسألة فتح وإغلاق المعابر للضغط على الفلسطينيين بحجج واهية، ومواصلتها لاعتداءاتها على الضفة الغربية، هو تلاعب باتفاق التهدئة بات يستلزم وعياً ورداً فلسطينياً مصرياً، بالوحدة الوطنية من الفلسطينيين، وبالضغط على إسرائيل وتسريع عقد الحوار الوطني الفلسطيني من الرعاة المصريين.
فلم يكن السعي المصري بطلب من السلطة الفلسطينية، بين فصائل المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة وفي مقدمتها حركة حماس، وسلطات الاحتلال الإسرائيلية عبر التفاوض غير المباشر للتوصل إلى اتفاق للتهدئة، هو من أجل التهدئة فقط.. بل كانت التهدئة كما بدا للوسيط المصري هي النقطة المشتركة التي تحقق مصلحة لكلا الطرفين، كل من زاويته بما يمكن أن تكون مقدمة لنتائج أكثر أهمية، أهمها فتح المعابر، وتهيئة الأجواء للحوار الوطني الفلسطيني، ولإنجاح التفاوض بين السلطة الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية، أداء لدورها بعملية السلام.
وفصل الاتفاق الذي وقعت عليه المقاومة وإسرائيل بين ملفين، مسألة وقف الهجمات المتبادلة، ومسألة تبادل الأسرى الفلسطينيين مع الجندي الإسرائيلي الفرنسي الأسير، رغم محاولة إسرائيلية لم تنجح للربط بين التهدئة وبين الإفراج عن »شاليت«، لينتهي الأمر إلى إصرار إسرائيل على عدم فتح معبر رفح إلا بعد إبرام صفقة تبادل الأسرى!
وتضمن الاتفاق وقف المقاومة لإطلاق الصواريخ من غزة، مقابل وقف الاعتداءات الإسرائيلية على الشعب الفلسطيني في القطاع فقط، وليس في الضفة إلا في وقت لاحق، وفتح المعابر الإسرائيلية الثلاثة ورفع الحصار تدريجيا عن وصول الوقود والاحتياجات الغذائية والدوائية إلى سكان القطاع، وذلك وفق جداول زمنية، وبنسب محددة.
ومع بدء تطبيق الاتفاق سارع إيهود أولمرت بالتشكيك في استمراره ووصفه بــ »الاتفاق الهش«، بما يشير إلى نوايا إسرائيل باعتباره خطوة تكتيكية وباختراقه لاحقا، والأهم توظيف هذا الاتفاق المؤقت ـ على عكس الأهداف المصرية ـ لتعميق الانفصال بين الضفة والقطاع، بتقوية موقف حماس في مواجهة فتح بما يمنع الحوار، ويساعد إسرائيل على التهرب من استحقاقات السلام مع السلطة بحجة الانقسام!
ويبدو أن إسرائيل أرادت توظيف الاتفاق مع غزة لأهداف أخرى غير وقف الصواريخ على المستعمرات، أهمها تعميق الانقسام الفلسطيني بتهدئة في غزة وتصعيد للهجمات والاغتيالات لرجال المقاومة في الضفة، بالإضافة إلى وقف احتجاجات المستوطنين في سديروت، والإفراج عن الأسير الإسرائيلي، للمساهمة في تعويم الحكومة الحالية في الأزمات السياسية الداخلية بسبب الفضائح المالية لأولمرت..
وهذه هي اللعبة التي اتبعتها إسرائيل مع كل العرب، بتفكيك وحدة الجبهات وزرع الخلافات واللعب على الانقسامات، بسلام هنا وحرب هناك، وتهدئة هشة في غزة، واعتداءات على الضفة الغربية، وكأن الشعب العربي هنا غير الشعب العربي هناك، وكأن الشعب الفلسطيني هنا غير الشعب الفلسطيني هناك، رغم كل الكلام الكثير عن التهدئة والتسويات والاتفاقيات والسلام.
لكن المقاومة تنبهت لهذه اللعبة الخبيثة فردت الصواريخ من غزة على اعتداءاتها واغتيالاتها في الضفة، وما ان أغلقت معابر القطاع الثلاثة للمرة الثالثة حتى أوقفت حماس التفاوض لتبادل الأسرى، حتى تلتزم إسرائيل بفتح المعابر ووقف الاعتداءات على الضفة.. فعادت إسرائيل لفتح المعابر مضطرة، لتحاول تكرار اللعبة من جديد ولكن من الضفة هذه المرة، لمنع استئناف الحوار الفلسطيني بين الضفة والقطاع.. فهل يسمح الفلسطينيون لريمة بمواصلة لعبتها القديمة؟!