بدأت أول هذا الشهر الرئاسة الفرنسية للاتحاد الأوروبي، وهي الثانية عشرة منذ نشأة هذا الأخير. رئاسة ستكون، كما يدل برنامج الأشهر الستة، ناشطة في عدد القمم الدولية التي ستعقدها باسم أوروبا، الأمر الذي يعكس تطور حجم ونوعية العلاقات الأوروبية الدولية.

الرئاسة الفرنسية، والتي كما يذكر وزير الخارجية الأسبق اوبير فدرين لا تعطي البلد الذي يترأس الاتحاد قوة مضافة بل مسؤوليات إضافية، تأتي وأمامها جدول مهم من التحديات التي كان قد أعلن عنها مسبقاً الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، وهي تحديات أساسية يمكن إيجازها بخمس: أولاً، بناء ما يعرف بأوروبا الدفاعية من خلال إقامة سوق أوروبية للتسلح ودعم التعاون الصناعي في هذا المجال،.

وبلورة نشاطات عسكرية مشتركة ومركز مشترك للتخطيط، كل ذلك في الطريق إلى بلورة السياسة الدفاعية الأوروبية التي يرى الرئيس الفرنسي، بعد قراره بالعودة في العام القادم إلى القيادة العسكرية المشتركة في الحلف الأطلسي وبعد قراره بإرسال قوة إضافية إلى أفغانستان مع الحلف الأطلسي، بأن سياسته تزيل العديد من سوء الفهم والالتباس الذي كان حاصلاً بين ضفتي الأطلسي.

وكذلك بين »أوروبا القديمة« و»أوروبا الجديدة«، بحيث تزال تحفظات أصدقاء واشنطن حول سياسة دفاعية أوروبية قد تهدف إلى إضعاف الحلف الأطلسي، باعتبار أن إعادة التموضع الفرنسي في هذا المجال تطرح سياسة دفاعية أوروبية مكملة للحلف الأطلسي، لا بل إن مدخلها أو تحديداً مدخل بلورتها يمر عبر البوابة الأطلسية.

ثانياً، الملف الزراعي، وللتذكير فان فرنسا هي الدولة الأوروبية الأكثر حصولاً على المساعدات من الاتحاد الأوروبي في إطار السياسة الزراعية المشتركة، ويهدف الاتحاد في هذا المجال، في ظل الأزمة الغذائية العالمية وارتفاع أسعار المنتوجات الزراعية وعودة الحوار الساخن والحاد حول سياسات الدعم للزراعة الأوروبية، وخاصة في ظل وجود قوى ضمن أوروبا تقول بضرورة تحرير الزراعة مثل بقية السلع.

وتخفيف الدعم عنها باتجاه رفعه، كل ذلك يفرض بقوة على طاولة البيت الأوروبي موضوع إعادة النظر في السياسة الزراعية المشتركة، بغية التوصل إلى تسوية جديدة تأخذ بعين الاعتبار ما اشرنا إليه من معطيات دولية، وكذلك الخلافات الأوروبية ــــ الأوروبية والأوروبية المتوسطية في هذا الخصوص.

ثالث هذه الملفات يتعلق بالهجرة والحماس الفرنسي لبلورة ميثاق أوروبي للهجرة، من خلال تقنين أوروبي موحد لسياسات وطنية أوروبية ما زالت مختلفة عن بعضها البعض، ومصدر القلق الفرنسي أساساً أمني ولكن أيضاً بعضه اقتصادي رغم حاجة أوروبا إلى الهجرة، وله تداعيات كبيرة ليس فقط ضمن الجاليات في أوروبا، ولكن على علاقات أوروبا مع جيرانها المتوسطيين والأفارقة.

المسألة الرابعة تتعلق بقضية التنمية والتغيير المناخي، وضرورة بلورة سياسة مشتركة في ظل مسألة الاحتباس الحراري وانبعاث الغاز واستهلاك الطاقات المتجددة، والازدياد الكبير في أسعار الطاقة والانكشاف الأوروبي في هذا المجال، ودور الطاقة المستوردة في الصناعة الأوروبية.. يستدعي ذلك كله بلورة سياسات تحت هذا العنوان مترابطة ومتداخلة، تتعلق بنظافة البيئة وتحسين الوضعية والقدرة التنافسية للصناعات الأوروبية.

ويقول ساركوزي انه في نهاية الرئاسة الفرنسية يتطلع لأن تكون لأوروبا سياسة دفاعية وسياسة هجرة وسياسة طاقة وسياسة بيئة موحدة. أهداف كبرى قد تصعب بلورتها في أشهر ستة، لكن التحدي يبقى في وضعها على سكة التحقيق.

أما التحدي الخامس، وهو تحد مفاجئ ومربك للرئاسة الفرنسية، فيتمثل في الـ »لا« الايرلندية للاتفاقية المبسطة، التي أدت إلى وقف الاندفاع الأوروبي نحو إقرار اتفاقية لشبونة التي كان يفترض أن تدخل حيز التنفيذ في الأول من يناير 2009، لما لذلك من تداعيات على الرئاسة الفرنسية التي كلفها الأوروبيون إيجاد مخرج من هذا المأزق في الخريف القادم.

ويكتسي الأمر أهمية خاصة للرئاسة الفرنسية إذا تذكرنا ان الاتفاقية التي تهدف إلى بلورة شخصية سياسية دولية لأوروبا، تعتبر أحد الانجازات الأولى التي نجح في تحقيقها الرئيس الفرنسي من خلال اتصالاته وعلاقاته الأوروبية غداة وصوله إلى قصر الاليزيه. إلى جانب الأجندة الأوروبية »التقليدية«.

هنالك نافذة فرص أمام أوروبا والرئاسة الفرنسية للتحرك جنوباً نحو المتوسط، المنطقة التي تشكل في عمقها العربي الآسيوي والإفريقي أحد مصادر التأثير الأساسية على الأمن والمصالح الأوروبية. يكتسب هذا الأمر أهمية كبيرة مع انطلاق المشروع الفرنسي، مشروع الاتحاد من أجل المتوسط في قمة باريس. ويتذكر الفرنسيون دائماً دروس وعبر سلف هذا المشروع، والذي يأتي في سياقه وفي إطاره وعبر تجديده، وهو عملية الشراكة الأورو متوسطية.

من أهم الدروس والعبر التي يتذكرها الفرنسيون والشركاء الآخرون على ضفتي المتوسط، ان تسوية الصراعات في البحيرة المتوسطية، مثل الصراع العربي الإسرائيلي، أمر ضروري لإطلاق التعاون بقوة في هذا الفضاء المشترك، وان »تجاهل« هذه الصراعات ومحاولة الالتفاف حولها، يغرق التعاون في البحر المتوسطي. وإذ يقدر الفرنسيون مشاركة عرب المتوسط في القمة على مستوى الرؤساء

ويتذكرون انه عندما دعت اسبانيا منذ سنوات ثلاث لقمة للاحتفال بعشرية عملية الشراكة الأورو متوسطية لم يحضر الرؤساء العرب المعنيون باستثناء الرئيس الفلسطيني، رغم أن الأوضاع الحالية المتعلقة بعملية السلام ليست أفضل على أرض الواقع مما كانت عليه منذ ثلاث سنوات، وذلك رغم بوادر التهدئة وفتحة الأمل الصغيرة. فإنجاح هذا المشروع بقوة والذي انطلق من باريس، يستدعي المشاركة الفاعلة في إطفاء »الحريق« العربي الإسرائيلي.

ما يدفع ويشجع في هذا الاتجاه أيضاً، إلى جانب وجود فرنسا في الرباعية الدولية كرئيس للاتحاد الأوروبي، جملة من العناصر منها بداية مرحلة الانطواء الأميركي والانشغال بالداخل، بسبب الانتخابات الرئاسية ونهاية عهد الرئيس بوش، وفراغ ناجم عن دور غائب أساساً ولو أنه عاد متأخراً وبشكل هامشي وخجول، عودة الحرارة بقوة إلى العلاقات الأميركية الفرنسية،.

وكذلك ما تعتبره فرنسا إعادة توازن في علاقاتها مع طرفي الصراع العربي الإسرائيلي من خلال التطبيع السريع والكثيف لعلاقاتها مع إسرائيل، مع التذكير دائماً بمواقفها في ما يتعلق بثوابت التسوية العربية الإسرائيلية التي ذكر بأهم عناصرها الرئيس ساركوزي في خطابه في الكنيست.

من العناصر المشجعة أيضاً عودة التطبيع ولو التدريجي الفرنسي السوري، عبر بوابة انتخاب الرئيس في لبنان ثم سمة التهدئة التي تتخذها الصراعات في المنطقة، والتي تبقى تهدئة هشة وبالتالي مؤقتة وضمن منطق إدارة الانتظار لنهاية هذا العام. تهدئة قد تطيح بها عملية إسرائيلية ضد إيران يكثر الحديث عن احتمال حصولها قبل نهاية هذا العام.

هذه العناصر كافة، من فرنسية ودولية وشرق أوسطية وأوروبية، تطرح على فرنسا ذات العلاقات التاريخية في المنطقة والثقل الخاص أيضاً مضافاً إليها كرسي الرئاسة الأوروبية، مسؤولية خاصة للتحرك بغية تثبيت التهدئة وتشجيع ودفع التسوية حيث يمكن قبل أن تغلق نافذة الفرص الصغيرة.

هذا هو التحدي »الخارجي« الأهم أمام الرئاسة الفرنسية، وامتحان النجاح سيظهر في الأشهر الستة القادمة.

hitti@wanadoo.fr