خبر صغير نشرته الشرق الأوسط اللندنية (27/6/ 2008)، لكنه خبر عن صفحة تطوى من التاريخ المعاصر، هي توازن الرعب النووي الذي كان السمة الأبرز لحقبة الحرب الباردة، فقد أكد اتحاد العلماء الأميركيين أن أميركا سحبت في هدوء آخر أسلحتها النووية من بريطانيا، بعد أكثر من نصف قرن من نشرها هناك حيث كانت مخزنة منذ عام 1954. ورغم أن سحب الأسلحة النووية الأميركية لم يعلن رسميا بعد، لكن عدة مصادر أكدته.
ورحب ناشطون مناهضون للأسلحة النووية بنهاية هذه الحقبة التي جاءت نتيجة تغير في تكتيكات الحرب والسياسات العالمية، لا نتيجة عقود من الاحتجاجات التي نظموها في إصرار.
والخبر بدا كما لو كان نبأ موت ممثل مغمور أو حاكم سابق ابتلعه النسيان، ومن الطريف أن يتزامن تقريبا مع مؤشرات قوية على دخول المشروع النووي الكوري الشمالي مرحلة الغروب وأنه بالفعل أصبح قيد التفكيك. ورغم هذه الحقيقة، ورغم أن المظلة النووية الأميركية ظلت لعقود دعامة من دعامات الدفاع عن أوروبا ضد ما كان يسمى »الخطر الشيوعي«، فإن الخبر أثار شجوني بأكثر مما أثار شهيتي للتحليل العقلي.
لقد كان هذا الخبر قبل سنوات مؤهلا لأن يحتل مانشيتات الصحف في العالم كله، فمنذ استخدام القنبلة النووية للمرة الأولى عام 1945 في نهاية الحرب العالمية الثانية، ظل العالم يحبس أنفاسه على وقع انتشار تقنياتها، خوفا من كارثة أخرى تعيد للذاكرة صدمة هيروشيما ونجازاكي. لقد كان كل إعلان عن انضمام دولة للنادي النووي أقرب إلى الزلزال الذي تنتشر توابعه في العالم كله تقريبا، وكان تحرك هذه الأسلحة الحدث الأكثر إثارة للانتباه والاهتمام في الدوائر السياسية وأجهزة الإعلام معا..
ذكريات هي أقرب للكابوس بقيت من عصر رحل بأكمله وبقيت بقاياه، وهي بقايا تغادر في هدوء وصمت آخذة معها خط تماس وهميا ظل ساخنا لنصف قرن، بل آخذة معها عصرا بأكمله وتوازنات قوى وآليات صراع أصبحت جزءا من التاريخ. بل إن مجرد »دفن« هذا الحدث التاريخي في خبر صغير، مؤشر على الانتقال الدرامي من بؤرة الحدث إلى هامشه.. من النور إلى الظل.
بل يمكنني التنبؤ بشيء من المجازفة المحسوبة أن الخيار النووي كوسيلة ردع عسكري، سيختفي من الاستراتيجية العسكرية في العالم كله في الأفق المنظور، حتى لو اتسعت دائرة من يحاولون تسريب التكنولوجيا النووية أو التلصص عليها، فهؤلاء جميعاً دخلوا عصراً بينما العالم كله يتأهب للخروج منه!
كاتب مصري