الحمد لله الذي أرانا يوما تتحدث فيه الإدارة الأميركية ـ وبلسان أرفع مسؤوليها ـ عن دعمها لعروبة العراق (أو أي قطر عربي آخر)، بعد سنوات طويلة كانت «العروبة» هي الخصم الأساسي للسياسة الأميركية في سعيها للسيطرة على المنطقة.
ولا أتحدث هنا عن سنوات الاحتلال الأميركي للعراق الشقيق، ولكن عن تاريخ يبدأ منذ الحرب العالمية الثانية، ومنذ أن وضعت أميركا سياستها في المنطقة على أساس أن تكون الوريث الشرعي للإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية.
وحين ترافق ذلك مع صعود الحركة القومية العربية وتبلور الوعي القومي لدى ملايين العرب، كان الصدام الذي استمر حتى اليوم بين المشروع الأميركي للمنطقة، وبين المشروع «العربي» الذي تبلور بعد حرب السويس عام 56، التي شهدت النهاية الفعلية للإمبراطوريتين الفرنسية والبريطانية، والذي انطلق بقيادة مصر عبد الناصر، واعداً بنهضة عربية تعوض سنوات الاحتلال وتخرج العرب من حالة التخلف وتلحقهم بركب الحضارة الحديثة.
وفي البداية حاول العرب ـ بكل أطيافهم ـ أن يقيموا جسوراً للتعاون مع الولايات المتحدة، وكانوا يأملون في أن تمد لهم القوة الكبرى الصاعدة يد العون لتحقيق أمانيهم، لكن إسرائيل كانت عقبة تعترض هذا التعاون.
والإصرار على تحويل الأرض العربية إلى قواعد أميركية لمواجهة السوفييت في ظل الحرب الباردة بين المعسكرين، ورفض أي موقف عربي مستقل في هذا الصراع، وتصور أن أي خطوة على طريق الوحدة العربية لا تمثل فقط تهديداً لإسرائيل، بل تمثل أيضا تهديداً للمصالح الأميركية..
كل هذه العوامل أدت إلى الصدام بين المخططات الأميركية للمنطقة وبين المشروع العربي. هذا الصدام الذي امتد من العداء للنظم العربية المؤمنة بمشروعها للنهضة وفي مقدمتها نظام عبد الناصر، إلى العداء لفكرة «العروبة» ذاتها.
وحتى بعد هزيمة 67 ثم رحيل عبد الناصر لم يتوقف العداء، وعندما تحقق انتصار أكتوبر 73، واقترن ذلك باستخدام سلاح البترول، كانت السياسة الأميركية هي ضرورة ضرب الحلف الذي خاض الحرب وانتصر، واستخدام كيسنجر كل الوسائل لتحقيق ذلك.
ومع معاهدة السلام المصرية ـ الإسرائيلية، ثم حرب الخليج الأولى.. دخل العالم العربي مرحلة من الانقسامات، ثم استنزاف الثورة البترولية وإجهاض إمكانيات التقدم الهائل التي كان من الممكن أن تتحقق..
لينتهي الأمر بكارثة غزو الكويت التي حققت للتحالف الأميركي ـ الإسرائيلي كل ما كان يتمناه، ولتبدأ مأساة العراق، ومعها يتم تحميل القومية العربية مسؤولية الكارثة، ولتوضع «العروبة» المفترى عليها في قفص الاتهام، ويطالب العرب بأن يختاروا بين أمرين: أن «العروبة» قد ماتت دون تقبل العزاء فيها، أو أنها من الأصل كانت «خرافة» تم ترويجها.
هكذا استمر الأمر لسنوات انتهت بغزو العراق وتفكيكه، وانطلقت فيه قوة الاحتلال الأميركية من نظرية تحويله إلى نموذج «ديمقراطي» تنقطع صلته بالعروبة. لكن الفشل الأميركي كان شاملاً وكاسحاً..
ففي غياب الجامع العربي غرق العراق في الحرب الطائفية، وجاءت القاعدة والتنظيمات المماثلة إلى الأرض التي كانت محرمة عليها، وأصبح التقسيم واقعاً يثبت على الأرض يوما بعد يوم، أما الجائزة الكبرى من كل الحماقات الأميركية في العراق فذهبت إلى إيران التي أصبحت لاعباً أساسياً في تقرير مصير العراق! بينما المنطقة كلها تعيش فوق بركان ملتهب.
والآن.. والصراع الأميركي في المنطقة يتركز في محاولة حسم الموقف مع إيران، تتذكر واشنطن عروبة العراق، وتؤكد وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس أن «واشنطن ملتزمة بمساعدة العراقيين في الوصول إلى عراق ذي هوية عربية»!
بالطبع فإن هذا الموقف لا يأتي من أجل سواد عيون العرب، ولا تكفيراً عن جرائم عديدة ارتكبت في حق العراق، ولكن لأن السياسة الأميركية تدرك بعد كل ما جرى أن عروبة العراق يمكن أن تكون «العائق الأكبر أمام النفوذ الإيراني السلبي في المنطقة» كما تقول رايس.
وبغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع الموقف الأميركي من إيران، فإننا أمام لحظة فارقة في السياسة الأميركية، تدرك فيها أميركا فشل كل محاولات نفي عروبة العرب، وتدرك أن نتائج حربها على قومية العرب والوقوف ضد أمانيهم كانت وبالاً.
وتفهم مما جرى في العراق أن العروبة هي السياج الحقيقي الذي يحمي العراق والمنطقة، ويمنع حروب الطوائف، ويوقف حرب الأديان التي لن تدمر المنطقة وحدها، بل ستمتد بآثارها الكارثية إلى العالم كله.
وأمامنا الآن موقف أميركي جديد ـ قد يكون مؤقتاً أو انتهازيا ـ ومع ذلك فلا يمكن إهماله ولا التقليل من أهميته.. بل علينا أن نتعامل معه وأن نستفيد منه، من أجل تحقيق المصلحة العربية.. ومن أجل بناء أمر واقع جديد يدرك فيه العالم كله أن عروبتنا ليست فقط شرط بقائنا وتقدمنا في العراق وفي غير العراق، ولكنها أيضا شرط استقرار المنطقة والتحاقها بالعصر.
لكن نقطة البدء والنهاية تبقي فينا نحن، وبأن يكون المصير العربي المشترك هو صلب اعتقادنا ومحل توافقنا، وأن تكون تجربة العراق التي أرادوها نهاية للعروبة ميلاداً جديداً لها.
كاتب مصري
