بميلاد حكومة الوحدة الوطنية اللبنانية، ينبلج فجر جديد يبشر بغد مشرق تتلاقى فيه إرادات الطوائف والتيارات والزعامات وتتنادى لترسيخ الوحدة والحفاظ على النسيج الوطني ولحمته، وتحصنه ضد التفتيت ومحاولات إثارة النزعات الطائفية، أو الانقسام والتقسيم على الهوية.
وليس صدفة عابرة أن يعلن عن تشكيل حكومة الوحدة الوطنية عشية ذكرى انتصار المقاومة اللبنانية على إسرائيل، وهو الانتصار الاستثنائي لجماهير شعبية مدربة على جيش نظامي، فضلاً عن كونه انتصاراً للحق على الزيف، ولأصحاب الأرض على الغاصبين، وللإرادة الواعية والضمير الإنساني على العنصرية الغاشمة.
ولا يخفى على أحد عمق الرابطة بين ترسيخ الوحدة الوطنية من جهة، والانتصار للمقاومة كخيار عربي ووطني وإسلامي من جهة أخرى. ففي الوقت الذي توحد فيه اللبنانيون خلف المقاومة وعملية إعادة الإعمار وترسيخ السلم الأهلي، تحرر الجنوب من دنس الاحتلال الإسرائيلي، وتعمق الاستقرار الذي انعكس إيجاباً على أوضاع الشارع اللبناني.
وكان للشهيد الحريري دور رائد في توثيق رابطة المقاومة بالحكومة وباقي أطراف النسيج الوطني اللبناني. على أن هذا الوضع المثمر والمرشح للنهوض لم يستمر طويلاً، فلقد خاض لبنان غمار أوضاع فتن مأساوية وكارثية منذ اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري عام 2005، واتسع خرق النسيج الوطني على الراتق بسبب التدخل الخارجي.
حيث انقسمت النخبة اللبنانية إلى قوى تتهم بالاصطفاف إلى جانب الطرف الخارجي وأجندته السياسية الإقليمية والدولية، وقوى أخرى تظاهر المقاومة وتتمسك بعلاقة طيبة مع الشقيقة سوريا. والشاهد أن حرب يوليو 2006 والعدوان الإسرائيلي الغاشم شكل نقطة تحول أفرزت المزيد من السلبيات والأخطاء التي مزقت كثيراً من رقعة الوحدة الوطنية.
خصوصاً مع انتهاء جولة الصراع العسكري بانتصار المقاومة، وفشل الرهان الأميركي على مخاض شرق أوسط جديد يدفن للأبد المشروع العربي، ويدشن ميلاد إسرائيل كقطب إقليمي قائد للمنطقة. ومن جملة القضايا المثيرة للفتن التي أفرزتها مرحلة الانقسام الوطني، التوجه لفرض نزع سلاح المقاومة وما أفرزته من ردود فعل مختلفة.
غير أن توقيت طرح هذا الموضوع سيحين حين يجيء ميقات استقرار الوحدة الوطنية وانجلاء غمة الخطر الإسرائيلي عن المنطقة. والحاصل أن نجاح اللبنانيين في تشكيل حكومة وحدة وطنية برئاسة فؤاد السنيورة، وتزامنه مع ذكرى انتصار المقاومة.
يجب أن يكون حافزاً للجميع على التمسك بهذه الصيغة اللبنانية العبقرية في التعايش والتوحد تحت لافتة الوطن، دون التنكر لرابطة العروبة والهوية القومية، فهذه هي الوصفة التاريخية لبقاء لبنان وطناً للحرية والتنوير والتسامح والتفاعل مع الغرب والتلاقح الثقافي والحضاري، مثلما كان طيلة القرون الماضية.
