استلفت الانتباه كثيرا تكرار التصريحات الواردة على ألسنة المسؤولين الاميركيين التي تفيد استعداد واشنطن للدفاع عن حلفائها ، ولم تتردد وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس عن تكرار هذه التصريحات في كل مناسبة ، ولكن بالتأكيد مثل هذه التصريحات ليست مشفوعة بسلوك عملي واضح يشعر منطقة الخليج بأن ثمة مطابقة بين القول والفعل في الاداء الاميركي ، وربما يكون من رأي دعاة الحرب في البنتاجون الاميركي ان الهجوم هو خير وسيلة للدفاع.
وهذه مقولة عتيقة لم تعد تصمد امام التمحيص العقلاني لواقع الصراعات الاقليمية والدولية المعاصرة ، بل هي تحولت بفعل الامر الواقع وبخاصة ، بعد مجيء اليمينيين الجدد إلى السلطة في البيت الابيض الاميركي إلى وسيلة للاعتداء وليس للدفاع ، فالحقيقة الماثلة للعيان في الخليج أنه لا يعاني من مشكلات سوى تلك التي تصنعها السياسة الخارجية الاميركية .
ولم يكن ثمة مصدر خطر ملموس في الحقيقة قبل نشوب ذلك الصراع (الذي مازال في حدود الكلام حتى الآن) بين واشنطن وطهران أن الضرورة التي يمليها مفهوم الحفاظ على السلم الاقليمي والدولي تكمن في تحول المقولة السابقة إلى (الدبلوماسية خير وسيلة للدفاع) فاذا كانت واشنطن صادقة في توجهاتها حقيقة للدفاع عن (حلفائها) في الخليج فإنها يجب أن تكلف وزارة الخارجية لديها بالعمل الدبلوماسي المنفك من عقال أي تهديد عسكري مفروض من البنتاجون او حتى من أولئك المستشارين النزاعين إلى التلويح بالعمل العسكري ما لم يتم حل الخلاف حول الملف النووي الايراني بالوسائل السلمية وعبر الحوار والمقاييس التي تفرضها واشنطن ايضا.
أن اسس السلام الاقليمي والدولي ليس بالضرورة أن تنهض على الرؤية الاميركية وحدها بكل ما تحمل من توجهات (واحدية الجانب) تستهدف المصالح الاميركية والاسرائيلية ، فقط ، انما يجب ان تكون هناك معايير دولية عامة ورؤية اكثر شمولا تستوعب تقارير الهيئات والمنظمات العالمية التي قامت اساسا على أمل أن تسعى لترسيخ اسس السلام العالمي ، وعلى رأسها هيئات ومنظمات ووكالات الامم المتحدة التي كانت تقوم في الماضي بدورها وتعرف طريقها وتنفذ مواثيقها بشكل معتاد حتى دخلت عوامل الضغط والتوجيه لتجعل هذه الهيئات والمنظمات وسيلة لتنفيذ اهداف الولايات المتحدة ومنظورها لاقرار الاستقرار القائم على تلبية مصالحها ومصالح (بعض) حلفائها واستثناء الآخرين .
وطالما ظلت هذه الفروق والتناقضات قائمة بين التصريحات الاميركية والسلوكيات الاميركية فلن يكون ثمة أي معنى لتصريحات (حماية الحلفاء) في الخليج التي نسمعها من جوقة العزف الاميركي اللامنقطع ، والذي لا يكترث العازفون فيها بالحاسة السمعية لدى المشاهدين المنصتين ، سواء كانت هذه المعزوفات نشازا او متناغمة ومستقيمة مع ما تهواه الأنفس وتستطيبه الاسماع .
أما الخليج فسيظل يأمل ويتمنى ان تتطابق الاقوال مع الأفعال ، فلو حدث ذلك ما كان ثمة أي حاجة للشعور بالقلق أو التماس الحماية من الذين أدمنوا التصريحات المستمرة حول الإستعداد لحماية الحلفاء ، بينما الشواهد التاريخية كلها لا تعطي ما يطئمن إلى أن واشنطن فعلا تحمي الحلفاء بل تدفع بهم دوما لدفع ثمن باهظ لعنتريات ساستها في البنتاجون والبيت الابيض .
