ظل المفكر الموسوعي الدكتور عبد الوهاب المسيري، الذي رحل عن دنيانا الأسبوع الماضي، طيلة حياته في حال من الجدل المستمر مع الأفكار، يقلبها على كافة وجوهها، مسلحا بالإخلاص للمعرفة، ومنحازا إلى الحقيقة والحكمة، فأنى وجدهما فهو أولى بهما. وهذا النقد الذاتي جعل المسيري ينتقل من الماركسية إلى الرؤية الحضارية الإسلامية، ومن المادية القحة إلى المزاوجة بين المادية والروحانية، سالكا الدرب الذي سار فيه قبله مفكرون من أوزان طارق البشري ومحمد عمارة، وزكي نجيب محمود الذي انتهى رافضاً «الوضعية المنطقية» بعد أن كانت تشكل بالنسبة له الوسيلة الوحيدة لفهم العالم.
وهذا النقد الذاتي والانتقال من إطار معرفي إلى آخر، اتسم بعدة صفات، الأولى أنه لم يكن انتقالا انتهازيا يرمي إلى كسب مغنم أو تجنب مغرم، أو يهدف إلى التقرب من سلطة أو لطمع في منصب أو سعيا إلى جني ثروة، بل كان انتقالا نابعا من الاقتناع بما توصل إليه ذهنه من حجج وبراهين جديدة، أزاحت الاقتناعات القديمة أو لطفت من غلوائها، وأضافت إليها آفاقا أرحب ووضعتها في موضع المقارنة مع العطاء الفكري «الآخر»، وجعلتها في حالة سيولة بعد طول جمود.
والثانية أنه كان انتقالا متدرجا، تماما كما يولد النهار من رحم الليل، وهذا أمر طبيعي بالنسبة لمفكر يجادل ويحاور نفسه باستمرار. وهذا التدرج بان جليا في الإنتاج الفكري للمسيري، ففي البداية كانت المادية الجدلية طافحة بشدة في كل فكرة من أفكاره وكل صفحة من كتبه، ثم بدأ هذا الإطار يتساقط رويدا رويدا، وكل قطعة تهوي منه تحل محلها قطعة من إطار جديد، فيتناقص القديم ويتزايد الجديد، في توازن لا يحوزه من يتخلون عن أفكارهم واقتناعاتهم فجأة في لحظة انتهازية رخيصة.
أما الثالثة فهي استمرار استفادة المسيري من الجوانب الإيجابية في الإطار القديم، وأهمها امتلاك منهج جدلي، ورؤية عميقة للصراعات الدولية والأوضاع الاجتماعية المحلية في البلدان العربية والإسلامية، لا سيما مصر.
فإذا كانت الماركسية قد سقطت من ذهن المسيري كأيديولوجية وإطار عام يحدد صيرورة الحياة ويزن الأشياء بميزان محدد، فإنه استفاد من عطائها العلمي التحليلي الذي يساعد، من دون شك، في تفسير بعض جوانب الظواهر الإنسانية والاجتماعية السائدة، لكنه لم يستسلم لهذا النموذج التفسيري تماما، ويقيس به وحده كل شيء، بل هبط به ليصير مجرد عنصر من عناصر منهج مركب امتلكه المسيري بعد طول تفكير ومراجعة، وها هو يقول في هذه النقطة:
«لعل التجربة الوجودية والفكرية المحورية في حياتي، هي هيمنة النموذج المادي الفلسفي علي بعض الوقت، ثم إدراكي التدريجي بعدم جدوى النماذج التحليلية المادية في الإحاطة بالظاهرة الإنسانية المركبة، نظرا لبساطة هذه النماذج وسذاجتها واختزاليتها، وإحساسي المتزايد بضرورة تبني نماذج تحليلية مركبة متعددة الأبعاد والمستويات، إن أراد المرء أن يرصد إنسانية الإنسان لا ماديته أو طبيعته المادية».
والنقد المستمر للذات انعكس، في ظني، على طريقة الكتابة عند المسيري، إذ اتسمت بشفاهية ظاهرة، وهذه خاصية لا يحوزها إلا قلة من الكتاب، بوسعهم أن يسطروا بأيديهم ما يشبه أو يتطابق مع ما تنطقه ألسنتهم، بذا تبدو كلماتهم المكتوبة إما جزءا من خطبة دافقة، أو كأنها حديث ودي بين صديقين في لحظة سمر، أو محاضرة عامرة بالمعاني يلقيها أستاذ على تلاميذه في قاعة درس.
وتتوقف الطريقة على طبيعة الموقف الذي ينتج فيه النص المكتوب/ الشفاهي، فإن كان موقفا حماسيا يتجه إلى العواطف تأتي الكتابة على هيئة خطبة عصماء، وإن كان موقفا طبيعيا يتجه إلى العقل، جاءت الكتابة هادئة.
وتنتمي شفاهية المسيري إلى النوع الأخير، فحين تقرأ كتاباته تشعر كأنك جالس إليه تسمعه، يحاكيك وتصغي إليه، ويقرأ ما يدور في رأسك فيستدرك ويشرح ويجيب، ويسمع رأيك فيناقشك.
فإن وجدك على حق هز رأسه وقال لك دون خجل: «أنت على حق»، ثم راح يضيف إلى رؤيتك، فيطأ مساحات ربما لم تخطر لك على بال.
ونقد الذات هذا من شيم المفكرين الكبار، الذين يشعرون دوما أن لديهم رسالة لا بد من تأديتها. فالمسيري كان يرى أنه إذا كان من الممكن أن يستوعب البعض، على مضض، فكرة «الفن للفن» فإنه لا يمكن أن يقبل عاقل فكرة «العلم للعلم».
وكان ينتقد من يتعاملون مع العلم إما بوصفه مجرد وسيلة لتحصيل الرزق، أو تحقيق المكانة الاجتماعية، وكذلك من يستغلونه لإيذاء الآخرين، مثل ذلك الذي اخترع القنبلة الذرية، أو الذي يستخدم طرق ومناهج علم النفس في تعذيب السجناء والمعتقلين السياسيين، أو هذا الذي يستغل أساليب الإعلام في تزييف وعي الناس وتضليلهم، وحرمانهم من مواجهة الحقائق الجلية.
وكان المسيري ينظر إلى العلم بوصفه رسالة جليلة خالدة، وهو إن كان قد استفاد من العلم في تحصيل منفعة مادية أو بلوغ مجد ومكانة بين الناس، فإن هذا لم يجنح به أبدا عن هدفه الأساسي ومقصده الرئيسي، وهو أداء رسالة حيال مجتمعه، باعتبار «العلماء ورثة الأنبياء» وعليهم ما على الرسل من تكليف في هداية الناس إلى الحقيقة والحق والخير والصواب.
ويستشهد المسيري في هذا المضمار بقول الفيلسوف الفرنسي فرانسوا رابليه: «إذا لم يقترن العلم بالضمير أدى إلى خراب النفس»، ويتذكر استعاذة خطيب جامع الحبشي بدمنهور بالله من «علم لا ينفع»، ويستدعي إجابة روبرت أوبنهايمر مكتشف القنبلة الذرية على تساؤل وجهه إليه المسيري نفسه ذات يوم عن شعوره حين نجح مشروعه العلمي، والتي قال فيها «لقد تقيأت».
ولطالما حذر المسيري من خطورة انفصال التجريب العلمي عن الأهداف والأغراض الإنسانية، وضرورة النظر إلى الإنسان باعتباره الغاية النهائية، وليس مجرد وسيلة من الوسائل، وهذه هي القيمة الأساسية في مشروعه الفكري الكبير والمؤثر في حياة أمتنا العربية والإسلامية.
كاتب وباحث مصري