الحديث عن العقول في هذا المجال ينحصر في الحديث عن الكفاءات البشرية المؤهلة تأهيلا علميا وتكنولوجيا عاليا، والقادرة على الإسهام بفاعلية في عمليات التنمية المجتمعية بكافة أشكالها، خاصة التقدم العلمي والإنتاج الصناعي والتطوير التكنولوجي، وهي كفاءات نادرة لا تتوفر بالقدر الكافي في أي مجتمع من المجتمعات الإنسانية، مما يجعل الطلب عليها يتزايد يوما بعد يوم. لكن المؤسف أن غالبية دول العالم لا تستطيع استخدام ما لديها من عقول ومواهب بشرية غير عادية.

وأن معظم شعوب الأرض لا تقدر قيمة العقل أو العلم حق قدره. ويُلاحظ الدارس لظاهرة هجرة العقول والمتابع لها أنها بدأت واستمرت تحت تأثير عاملين أساسيين: عامل الطرد أو الدفع إلى الخارج، وعامل الجذب أو الإغراء على القدوم من الخارج. بدأت ظاهرة هجرة العقول تأخذ أبعادا واضحة وهامة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وهي الحرب التي تسببت في تدمير اقتصاديات العديد من دول أوروبا، مثل ألمانيا وبريطانيا وفرنسا وروسيا.

وفي ضوء تخلف الاقتصاد وعجز الدولة عن توفير الدعم المالي المطلوب لمعاودة مؤسسات البحث والتطوير لسابق عهدها من ناحية، وتوفر ظروف ممتازة لممارسة البحث والتطوير والحياة في أميركا، وإلى حد أقل في كندا وأستراليا من ناحية ثانية، فإن عشرات الآلاف من العلماء الأوروبيين، خاصة الألمان والبريطانيين هاجروا من مواطنهم الأصلية إلى العالم الجديد.

ومما يستوجب الإشارة إليه في هذا المجال أن أميركا وروسيا أجبرتا بعض علماء ألمانيا على الهجرة إليهما، من أجل دعم النشاطات العلمية والتكنولوجية فيهما وحرمان ألمانيا من إمكانيات تلك الكفاءات، وبالتالي العمل على تأخير نهضة ألمانيا.

ولقد تكررت هجرة العقول الأوروبية إلى أميركا وغيرها من الدول على مدى عقد التسعينات في أعقاب انهيار وتفتت الاتحاد السوفييتي. وجاءت معظم العقول المهاجرة من روسيا وبولندا وأوكرانيا وغيرها من دول كانت تعتبر جزءا من الاتحاد السوفييتي. وتشير المعلومات المتوفرة عن قطاع الخدمات الصحية في أميركا إلى أن حوالي 50% من العاملين فيه هم من المهاجرين الجدد.

جاءت نسبة كبيرة منهم من دول الاتحاد السوفييتي سابقا. لكن موجات هجرة العقول الأوروبية إلى أميركا وكندا واستراليا وإسرائيل كانت دوما موجات غير دائمة، إذ أن عودة الاقتصادات الأوروبية إلى النمو في الستينات من القرن الماضي أدت إلى توقف تلك الهجرات تقريبا.

كما أن عودة الاقتصاد الروسي إلى النمو بعد مضاعفة أسعار النفط أكثر من مرة في غضون سنوات قليلة، أدت إلى تراجع هجرة العقول الروسية إلى أميركا وإسرائيل كثيرا.

أما في ما يتعلق بالدول النامية، فإن ظاهرة هجرة العقول منها كانت ولا تزال عملية مستمرة، وذلك لأن أسبابها الرئيسية، وهي قوى الطرد المتمثلة في ضحالة المؤسسات العلمية، وغياب الحريات السياسية والاجتماعية، وندرة فرص العمل المجزي، وضعف إمكانيات العيش الكريم، لا تزال تتفاقم يوما بعد يوم.

إن غياب مؤسسات البحث العلمي والتطوير التكنولوجي الجادة من حياة المجتمعات النامية عموما، ترك عقول تلك البلاد أمام خيارين لا ثالث لهما: التكيف مع الأوضاع العلمية والاقتصادية والاجتماعية المتخلفة على الأرض، والرضوخ للقيم المجتمعية التقليدية غير القادرة على وعي قيمة الكفاءات العلمية وأهميتها المجتمعية. وهذا من شأنه أن يجعل تلك الكفاءات عرضة لفعل عوامل النسيان والتآكل المعرفي والتحول تدريجيا إلى كفاءات ذات معارف متقادمة وقدرات علمية متواضعة وإسهامات متناقصة.

أما الثاني فهو الهجرة لخارج الوطن بحثا عن ظروف عمل وحياة أفضل، تتوفر فيها أجواء الحرية وإمكانيات البحث والتطوير وفرص الحياة المنتجة.

ويشير واقع كل الدول المتخلفة والمجتمعات التقليدية ضعيفة النمو إلى أن نسبة كبيرة من عقولها المؤهلة علميا وتكنولوجيا عاليا هاجرت إلى الخارج، وأن غالبية الجزء المتبقي تحولت بفعل الزمن والترهل العلمي إلى بيروقراطيين يعملون في أجهزة الدولة ويدافعون عن سياساتها التي تحد من حرية العلم والعلماء، أو تحولوا إلى قادة تقليديين يؤمنون بالخرافات ويعملون على تكريسها على أرض الواقع. وهذا جعل تلك الكفاءات تغدو جزءا من مشكلة التخلف بدلا من أن تكون جزءا من حل تلك المشكلة وأداة من أدوات التغلب عليها.

وباستعراض عوامل الهجرة ودوافعها، استطيع الجزم بأن الأوضاع العربية الطاردة للعقول لم تتغير، وأن القوى التي كانت فاعلة في تشجيع تلك الهجرة وتغذيتها لا تزال نشطة كما كانت في السابق.

Professorrabie@yahoo.com