باريس، هذه الأيام، هي عاصمة حوض البحر الأبيض المتوسط. هكذا أراد لها الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي. رؤساء البلدان المتوسطية تستقبلهم العاصمة الفرنسية في قمة يوم 13 يوليو الجاري، بدعوة من صاحب فكرة »الاتحاد المتوسطي« التي أصبحت »الاتحاد من أجل المتوسط«، منذ أن كان مرشحا.

حيث أطلقها في الثاني عشر من شهر فبراير 2007، وجددها عشية انتخابه رئيسا ثم »حملها« و»روّج لها« لدى أغلبية البلدان المعنية. ومن أجلها، أولا وأساسا، دعا الرئيس السوري بشار الأسد إلى حضور قمة باريس وإلى أن يكون أحد ضيوف فرنسا بعيدها الوطني يوم 14 يوليو إلى جانب »قادة« المتوسط الآخرين.

كل شيء حتى هنا يبدو في »المسار المطلوب«، فكل أولئك الذين صاغ المتوسط تاريخهم، إلى هذه الدرجة أو تلك، يلتقون اليوم لجعل هذا البحر حوض تواصل وتآلف وسلام، بعيدا عما عرفه في مسيرته الطويلة من حروب وصدامات باسم الحضارات أو باسم »المصالح« أو بدوافع »القرصنة«.

المبادئ المطروحة ليس من السهل معارضتها على هذا الشاطئ المتوسطي أو ذاك. الجميع قد يحلمون بصفة »المواطن المتوسطي« على غرار المواطن الأوروبي.

قمة 13 يوليو الجاري أطلقوا عليها تسمية »تأسيسية«. إنها تقوم في الواقع على أنقاض مسار برشلونة، الأوروبي ـ العربي الذي انطلق عام 1995 و»فشل«. فهل تستطيع باريس أن تنجح حيث فشلت برشلونة؟!

الدعوة إلى قمة باريس كانت قد بدأت في »طنجة« بالمغرب، عندما ألقى الرئيس الفرنسي خطابا بتاريخ 23 أكتوبر 2007 دعا فيه جميع قادة بلدان حوض المتوسط للمساهمة »على قدم المساواة« في قمة بباريس خلال شهر يونيو ـ وليس يوليوـ 2008. قمة لإعلان »الولادة السياسية« للاتحاد من أجل المتوسط.

ردود الفعل الأولية تراوحت بين الترحيب المتحمس لمصر وللمغرب ولتونس، وبين إعلان موقف عدائي من قبل الرئيس الليبي معمّر القذافي الذي رأى بداية بمشروع الرئيس الفرنسي محاولة لـ »زرع الشقاق« أكثر بين العرب، ثمّ أعرب عن شجبه مؤخرا، رغم الحفاوة الكبيرة التي استقبلته بها باريس عند زيارته لها قبل أشهر، لـ »أولئك الذين يريدون أن يلقوا لنا ببعض العظام، لنا نحن الأفارقة ولسنا كلابا« كما قال.

البلدان الأوروبية المتوسطية كانت موافقتها على الفكرة ـ قبل تعديلها ـ مربوطة غالبا ببعض التحفظات.

أمّا بلدان الاتحاد الأوروبي »غير المتوسطية« فقد قابلت المشروع بـ »تشكك« كبير. فهو برأيها »غير واضح«، هذا فضلا عن أن فرنسا لم تأخذ رأيها، وحيث بدا الاتحاد المتوسطي كـ »منافس« للاتحاد الأوروبي.

الموقف الألماني كان الأوضح في معارضته. أنجيلا ميركل قالت »لا« لنسخة الرئيس ساركوزي الأولى من مشروع الاتحاد المتوسطي. ولم يكن أمامه سوى التراجع وإلاّ قد »يتفجر« الاتحاد الأوروبي في الشمال، دون أي ضمان بقيام »الاتحاد المتوسطي« في الجنوب.

هكذا كانت »النسخة« الجديدة للمشروع وتبديل التسمية من »الاتحاد المتوسطي« إلى »الاتحاد من أجل المتوسط«. لم يكن تغيير الاسم مجرد مسألة »شكلية«، وإنما تعبيرا عن »حل توفيقي« مثـّل في واقع الأمر عودة إلى »مسار برشلونة« الذي قيل عنه إنه فشل.

الرسميون الفرنسيون، بمن فيهم بل وعلى رأسهم الرئيس ساركوزي، يبدون تفاؤلهم »ربما المفرط« حيال المشروع المتوسطي. »تفاؤل« يعيدونه إلى تبنّي أسس جديدة للحوار غير تلك التي سادت في الماضي. ويقولون إن الأوروبيين كانوا يتصرّفون بذهنية الذي »يعطي«، صاحب »اليد العليا«.

وبالتالي كان الحوار ينقصه »التكافؤ« في بنيته الأساسية. فرنسا تقول اليوم إنها تعرض حوار »الند للند« في منظور الوصول إلى إقامة تواصل حقيقي بين الغرب وعالم جنوب المتوسط.

بالإضافة إلى »التفاؤل« هناك طرح فرنسي جديد، عبّر عنه »هنري غينو« المقرّب من الرئيس ساركوزي وأحد »مهندسي« مشروع »الاتحاد من أجل المتوسط« الرئيسيين، بالقول إنه من الخطأ »رهن التعاون في المتوسط بإيجاد حلول للمشاكل السياسية«. إنه يقصد بذلك، قبل كل شيء، الصراع العربي ـ الإسرائيلي.

ولعلّه هنا يكمن السؤال المركزي: أيهما قبل، إقامة مشاريع التوحيد والتضامن أم حل المشاكل السياسية الجوهرية العالقة؟ دعاة المشاريع »أولا« يقولون إن الحلول تأتي عبر »دينامية« التعاون وكنتيجة لها. أما المطالبون بحل المشاكل الجوهرية »أولا« فيرون أن المشاكل التي »أفشلت« مسيرة برشلونة وما سبقها من مشاريع تضامن متوسطي، ليس هناك ما يمنعها من إفشال غيرها، فـ »التغاضي« عن مشكلة ما، لا يعني أبدا أنها لم تعد موجودة في الواقع. هكذا تقول دروس التاريخ »على حد رأيهم«.

لا شك أن فكرة الاتحاد المتوسطي بدت »برّاقة« للرئيس الفرنسي عندما أطلقها، فهي »ثلاثية« المردود. إنها قد تمثل »جائزة ترضية« لتركيا كتعويض عن عدم »ضمّها« إلى الاتحاد الأوروبي؛ وتبرز صداقته »المتينة« لإسرائيل؛ وتعزز التبادل التجاري مع العالم العربي. كانت تلك هي »حسابات الحقل«، كما يقال.

لا شك أن بلدان حوض المتوسط، مثلها مثل جميع بلدان العالم، تريد الحد من تلوث البيئة ومكافحة ارتفاع سخونة الأرض. ولكن الأولوية لدى جنوب المتوسط ليست في سلامة »صحة« الأرض ولا في الاهتمام بـ »درجة حرارة« المناخ. إنها بالأحرى في »الخبز« وتأمين فرص العمل. وأيضا، وخاصة، ملف الهجرة الشائك، مثل تلك »الأسلاك الشائكة« التي تمزّق أجساد أولئك الشباب من أبناء الجنوب الذين يريدون الوصول إلى »الفردوس الأوروبي« بأي ثمن.

ولا شك ستكون »الصورة التذكارية« لقمة باريس جميلة و»مبتسمة«، ولكن هناك أسئلة كبيرة تدور في الرؤوس. فمن الذي سيتولّى الدور الرئاسي »القيادي« في الجنوب.. مصر؟ المغرب؟ تونس؟ وأين سيكون مقر »أمانة« الاتحاد من أجل المتوسط؟ وماذا ستكون طبيعة علاقاته مع المفوضية الأوروبية؟ وأسئلة تفصيلية أخرى كثيرة.

برشلونة فشلت.. فهل تنجح باريس؟!

mohaklouf@yahoo.fr