مرة أخرى تشتعل الأزمة اللبنانية وتخرج من لغة العقل والحوار إلى لغة المواجهات والرصاص دون أي مبرر، في وقت كان من المفترض أن تهدأ فيه النفوس في اعقاب اتفاق الدوحة، ومع حل النسبة الكبرى من معوقات تشكيل الحكومة.

ولأن الأزمات في لبنان تنتهي دائما الى نتيجة مؤداها اللا غالب ولا مغلوب، فإن الازمات السابقة كان يجب ان تكون درسا لمن يتشوقون للمواجهات مؤداه ايضا ان الكل خاسرون في حال استمرت المشاحنات والمواجهات واطلاق النار من هنا وهناك بين اشقاء واصدقاء وجيران سوف يظلون كذلك شاؤوا ام لم يشاؤوا.

فقد كان سقوط عدد من القتلى وعشرات من الجرحى أمس في المواجهات التي شهدتها مدينة طرابلس بين ابناء وطن واحد ودين واحد، بل ومدينة واحدة، واحيانا شارع واحد، بل وبناية واحدة، كان ذلك دليلا آخر على ان هناك مستفيدين من هذه الازمة، وبالتأكيد هم من خارج لبنان.

فلغة العقل تؤكد ان احدا في لبنان لا يمكن ان يستفيد مما يحدث فيه الآن، كما ان اشقاء لبنان في كل مكان هم أكثر المتضررين مما يحدث فيه ايضا، حيث تتوقف استثماراتهم وعلاقاتهم ومصالحهم وهو ما يجعل الكل ايضا خاسرين!

فما حدث بالأمس وحدث قبل ذلك انما هو بالتأكيد صناعة أعداء لبنان، وأعداء السلام وهم كثر بل ويتكاثرون في انحاء العالم الآن بصورة غير طبيعية مع تضارب المصالح، ومع ازدهار تجارة السلاح، ومع امراض السيطرة والعنصرية وحلم التوسع والتطرف السياسي والديني الى غير ذلك الكثير.

ولكن وعلى الرغم من ذلك يبقى ان يكون اللبنانيون انفسهم على مستوى المسؤولية، وعلى مستوى الاحداث، وهذا امر طبيعي، فلبنان غني بسياسييه وقاداته وزعمائه الحاليين والسابقين على السواء، والذين لهم باع طويل في الحكمة وفي ادارة الاحداث والازمات.

وبالتأكيد ايضا هي قلة تلك التي تقف وراء الاحداث الجارية على الساحة الآن، وهي قلة ايضا ذلك التي تقوم بالتنفيذ، وهي قلة ايضا تلك التي لا تريد للبنان خيرا.

ولذلك فإننا نأمل وكما حدث من قبل ان يتدخل ذوو العقل والحكمة لوأد تلك الفتنة المستحدثة هذه، حتى يتوارى اولئك المتعصبون والمخدوعون وذلك قبل فوات الاوان، وخاصة اذا ما علم هؤلاء واولئك ان لبنان قد خسر الكثير والكثير خلال ازمته الممتدة سواء من حيث الاستثمارات التي هربت او التي تم تجميدها، او من حيث موسم صيفي سياحي يخسر لبنان خلاله الكثير.

وقبل هذا وذلك، فإن الارواح التي ازهقت على أيدى ابناء الوطن الواحد، والدماء التي سالت في مناطق عديدة يجب ان تظل تؤرق مضاجع هؤلاء واولئك ايضا.

ان موقف حكومة السلطنة بقيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم - حفظه الله ورعاه - من الازمة اللبنانية هو كما كان دائما وأبدا رفض لغة القوة ايا كان مصدرها، ورفض استخدام السلاح من اية جهة كانت.

ومن هنا فإن اللبنانيين مدعوون الى إثبات انهم بالفعل على مستوى المسؤولية، وذلك بالتوصل في اقرب وقت ممكن الى تشكيل حكومة يتم الاعلان عنها سريعا، حتى تهدأ الامور، وحتى يستطيع الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلية ان تعمل وتسيطر على الاوضاع في ظل ظروف طبيعية، وليس تحت ضغوط من الاطراف المختلفة.