رغم أن منطقة الخليج لا تقارب حالة بقية المنطقة العربية في انتشار ظاهرة الغونغوز والبولينغوز، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة أننا غير مقبلين على تبنيها. هذا إذا لم يكن هناك بالفعل عدد من الدول بدا مستحسنا هذا النموذج ذى الجذور الشمولية. وهي كحالة تعبر عن معضل صراع القوة داخل المجتمع.

كما تعبر في واقعها عن معضل سياسي لا يمكن تجاوزه بمدخل سياسي ـ أمني بحت، دون تغير في الثقافة السياسية الحاكمة لسلوك المؤسسات والمنظمات والجماعات والأفراد الداخلين في صراع القوة في المجتمع، ودون تغير أو تحديث في آليات صناعة القرار. وبشكل عام فإن الغونغوز أو «حكومة منظمات غير حكومية»

يقصد بها تلك المنظمات التي تنشئها الدولة لتقف موقف المنظمة ـ المنظمات غير الحكومية، أو أن الدولة تزرعها في وسط فضاء المجتمع بقصد أن تكون في الظاهر منظمات غير حكومية، إلا أنها تعمل في الخفاء أو العلن على تنفيذ أجندة مناقضة لأجندات المجتمع المدني، كما تعمل بذلك بعض الدول العربية ذات التوجهات الشمولية أو ذات الإرث السياسي الشمولي.

والغونغوز منظمات ينشئها بعض من دول العالم الثالث بغية تسهيل الحصول على المساعدات المالية الأجنبية، كبنغلادش وبعض الدول الأفريقية، أو بقصد تعكير أو إفساد عمل المنظمات غير الحكومية المعارضة للدولة والتي تعمل تحديدا في مجال حقوق الإنسان والحريات السياسية، والتي قد تحسب على بعض من القوى السياسية المعارضة وقد لا تحسب. وقد يشمل ذلك بعض المنظمات المهنية أو النقابات، أو أن تكون الغونغوز منظمات تقام لتنفيذ أنشطة وبرامج الدولة أو أطراف فيها، وتحديدا تلك الأنشطة التي تقارع بها الدولة جماعات أو منظمات سياسية بعينها.

وتنشأ هذه المنظمات في الغالب في الدول غير الديمقراطية أو في تلك الدول التي تواجه عمليات التحول الديمقراطي فيها بعض العقبات والصعوبات، أو أنها، أي هذه الدول، تعاني من صراعات محتدمة على القوة بين أجنحة الدولة المختلفة.

إذ تلجأ هذه الدول أو جماعات أو أفراد فيها لإنشاء منظمات حكومية تعمل في المجال الأهلي كمنظمات غير حكومية، للتأثير على الناخبين أو لتشتيت أصواتهم أو لمناوأة منظمات سياسية أو منظمات مجتمع مدني أو جماعات يعتقد النظام أنها مناوئة له أو تحاول النيل منه أو تشويه صورته في أوساط العامة وفي الإعلام الخارجي.

كما أن بعضا من هذه المنظمات إن هي إلا أدوات قمعية في أنظمة قمعية، توظف بعض رجالاتها «كفتوة» بغرض إحداث أضرار جسدية أو الإضرار بممتلكات الأشخاص المناوئين والمعارضين للحكومة. وقد ذاع صيت منظمات الغونغوز في روسيا وفي بعض جمهوريات الاتحاد السوفييتي الإسلامية، وفي الصين وكوريا الشمالية وبورما وفي بعض الدول العربية التي ما زالت عمليات التحول الديمقراطي تواجه فيها عقبات عدة.

كما أن بعضها قد وجد طريقه للدول العربية ذات الإرث السياسي الشمولي. أما «البولينغوز» polingos، فهو مصطلح لا يبدو كثير التداول في أوساط العاملين والباحثين في مجال منظمات المجتمع المدني، على اعتبار أنها، أي هذه المنظمات، رغم طبيعتها السياسية وبخلاف السابقة، تبقى منظمات غير حكومية وإن مثلت في ذلك قوى سياسية معارضة للدولة.

وقصد بهذا المصطلح سياسية المنظمات غير الحكومية أو الأهلية، من حيث النشأة وربما التمويل والنشاط، إلا أنها تمثل واجهات سياسية لأحزاب أو جماعات سياسية تعمل ضمن نطاق المجتمع المدني. وتبدو المفارقة هنا في أنه في الوقت الذي لا تشكل مسألة العمل في السياسة قضية أو إشكالية في العلاقة بين المنظمات غير الحكومية والدولة في العالم الديمقراطي، أصبحت مسألة اشتغال هذه المنظمات في العمل السياسي قضية يعاقب عليها القانون في الكثير من البلاد العربية.

وتشعر الدولة في الكثير من المواقع في البلاد العربية بأن جزءا من تدهور صورتها لدى المنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان وقضايا التحرر والديمقراطية، قد يعود لما يرسمه بعض من هذه المنظمات عنها في الخارج أو لدى المنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان.

وتتشارك الجماعات الاسلاموية في بعض دول المنطقة في رسم جزء من الصورة غير البراقة لأوضاع الداخل على صعيد تحقق الحقوق المدنية والسياسية، من حيث أن صعودها السياسي وتمكن بعضها من الأدوات البرلمانية يدفعها نحو سن تشريعات مقيدة للحريات تحت مبررات دينية.

ولا بد من الإشارة إلى أن التقاطع بين السياسي والحقوقي هو أمر لا تستطيع هذه المنظمات تجاوزه، إلا أن ما تستطيع تفاديه هو أن تكون مواقفها على مسافة واحدة من الدولة ومن القوى والجماعات السياسية المتصارعة معها على القوة.

أي في أن تكون مواقفها وتقاريرها بعيدة عن تأثير القوى السياسية التي ينتمي لها بعض أو جزء من قياداتها، أي في الوقت الذي قد ترسم تقاريرها مواقف انتقادية للدولة في مجالي الحقوق المدنية والسياسية، فإن هذا لا يستوي إلا برؤية الجزء الآخر من الصورة وهو مواقف القوى السياسية والإسلاموية والتي تدفع نحو مزيد من التقييد للحريات المدنية والسياسية.

من ناحية أخرى، فكما أن منظمات الغونغوز فاقدة للمصداقية على صعيد الداخل وفي الدوائر الدولية، فإن علو درجة التسييس والافتقار للمهنية في أنشطة هذه المنظمات أو احتسابها على قوى سياسية بعينها، قد يفقد عملها الحيادية والمهنية وبالتالي المصداقية، ليس على صعيد الداخل فحسب، وإنما لدى المنظمات الدولية العاملة في الحقل الحقوقي والإنساني... فلا يمكن لهذه المنظمات أن تحسب على قطاع سياسي في الوقت الذي تتجه لأن تكون معبرة عن مواقف سياسية محددة لقوى سياسية بعينها.

وخلاصة القول إن مأزق الشرعية السياسية في المنطقة العربية وضيق قنوات المشاركة والتعبير، والافتقار إلى آليات واضحة وسليمة ومتفق عليها لتداول السلطة، تجعل من هذه المنظمات ساحة للصراع بين الدولة والقوى المناهضة لها من ناحية، كما هي تمثل فضاء آخر للصراع بين القوى السياسية المختلفة من ناحية أخرى.

كاتب بحريني

drbaqer@gmail.com