إذا كانت الجذور السياسية للخوف تتضح بشكل مباشر من خلال علاقة الأفراد بالنظم السياسية التي يتعاملون معها، فإن الجذور الاجتماعية للخوف يمكن التوصل إليها من خلال فهم البنيات الاجتماعية المحيطة بهم والمشكلة لتوجهاتهم مثل الأسرة والمدرسة والجامعة ومؤسسات العمل. ورغم ذلك فإنه من الأهمية بمكان ألا نفصل بين المستويين السياسي والاجتماعي؛ فكلاهما مكمل للآخر، ويساعد بدرجة أو بأخرى في شيوع ثقافة الخوف وانتشارها بين الأفراد.
تلعب الأسرة في عالمنا العربي دورا كبيرا ومؤثرا في شيوع ثقافة الخوف. فالأسرة هي المكان الأول الذي تنفتح عليه عيوننا، ونتشرب من خلالها ثقافاتنا وتوجهاتنا وسلوكياتنا المختلفة. ورغم الأدوار الهامة التي تضطلع بها الأسرة في تربية الأبناء، فإنها أدوار تصب في النهاية في التطوير الدراسي للأبناء، أكثر من تطوير المهارات الاجتماعية وتشكيل شخصيات يمكنها التعامل مع العالم الخارجي بانفتاح وثقة في الوقت نفسه.
فالأسرة في عالمنا العربي أهم مؤسسة لتعليم الأبناء الأنانية المفرطة في التعامل مع الآخرين، فما يهم بالأساس مصلحة الأبناء وليس أي شيء آخر. وفي هذا الإطار ينشأ الأبناء وهم يشاهدون آباءهم يكذبون وينافقون ويرشون ويرتشون... الخ تلك الممارسات السلبية التي تصبح هي سلوكيات الأبناء في المستقبل. بالطبع لا يمكن للأبناء أن يجادلوا آباءهم فيما يقومون به، فالتبرير الدائم هنا أنهم يفعلون ذلك من أجل مصلحة الأبناء.
وهنا لا يمكن أن نفصل الجانب الاجتماعي عن الجانبين الاقتصادي والسياسي في عالمنا العربي. فالظروف الاقتصادية الطاحنة التي تواجه العديد من النظم في العالم العربي، تدفع أرباب الأسر لفعل المستحيل من أجل الحصول على لقمة العيش.
وهو ما ينعكس لا محالة على قدرتهم على متابعة أبنائهم وتربيتهم تربية صحيحة واثقة من نفسها في مواجهة العالم الخارجي. إن ضعف الثقة بالذات يمثل أول منابع الخوف لدى الأبناء. وفي ظل عدم وجود مشروعات وطنية واضحة الملامح في عالمنا العربي، تصبح تلك السلوكيات المهزوزة المرتعشة هي بوصلة التعامل مع العالم الخارجي.
وربما يمكن هنا تفسير تلك المشروعات البديلة التي يقوم بها أبناء الأقليات في عالمنا العربي، من حيث إعادة تأهيل الأفراد وفقا لقيم مغايرة جديدة لن تؤدي في الغالب الأعم لتغيير بنية الخوف السائدة والمحيطة بالسياق العام. فمشروعات الأقليات هي مثال جيد لإعادة تدوير بنى الخوف وعدم الثقة في مواجهة العالم، من حيث قيامها بالأساس على كراهية الآخر الغالب عدديا وفكريا، ومن حيث تحويل الانتماءات من الدولة إلى المرجعيات التي تنتمي إليها تلك الأقليات.
تنبني بنية الخوف على مرجعيات مسبقة، فكما تصبح مرجعيات الأبناء متمثلة في ما تمليه تعاليم وأوامر الأسرة، تصبح مرجعيات أبناء الأقليات متمثلة في ما تمليه المؤسسات الدينية والفكرية التي يتبعونها ويقدسونها في الوقت نفسه.
هذه المرجعيات هي التي تتسبب في سيادة ثقافة الخوف بدرجة كبيرة من حيث الإملاءات المرتبطة بها. فالأبناء لا يستطيعون أن يتخذوا قرارا بدون مشاورة الأب، كما أن الزوجة لا تستطيع أن تسلك سلوكا بدون استشارة الزوج، كما أن أبناء الأقليات لا يستطيعون فكاكا من ربقة القائمين على شؤونهم.
وهنا يشيع بين الأفراد ذلك الأمان الوهمي في ظل حضرة الأسرة أو الجماعة أو من ينتمون للدين أو العرق أو الطائفة نفسها التي ينتمون لها. وتصبح مواجهة العالم الخارجي مواجهة محفوفة بالمخاطر والخوف في الوقت نفسه.
لا تقتصر تلك الإملاءات المؤسسة لحالة الخوف فقط على الأسرة، لكنها تنفتح وترتبط أيضاً بالفضاءات الاجتماعية الأخرى، تتماس معها وتنمو وتترعرع من خلالها. تتعدد هذه المؤسسات لتشمل مؤسسات العمل والتعليم وأماكن العبادة وحتى أماكن الترفيه المختلفة.
فمؤسسات العمل في عالمنا العربي نموذج واضح وجلي لسيادة نمط الخوف وإقصاء أية محاولات للتجديد أو التغيير أو الإضافة. كما أن المؤسسات التعليمية، المدرسة والجامعة، نموذج واضح أيضاً لسيادة ثقافة الخوف والرأي الواحد الذي يمثله هنا المدرس أو الأستاذ الجامعي.
تدعم مؤسسات العمل والتعليم بنية الخوف وتساعد على تجذيرها واستمرارها بدرجة كبيرة. كما أنها تُفعِّل الأدوار التسلطية التي تقوم بها الأسرة في عالمنا، وهي مسألة تحتاج لحديث آخر.
كاتب مصري