أصبح من المألوف أن يسبق كل اجتماع رسمي لقادة الدول الثماني الصناعية الكبرى تجمع شعبي لقادة النقابات والتنظيمات من شتى أنحاء العالم، ينظم المظاهرات والاحتجاجات القوية وأحيانا العنيفة، رفضا لتوجهات العولمة ولمظالم الرأسمالية اللاإنسانية، وسياسات الدول الكبرى التي أضرت بالدول النامية الصغرى وزادت من مساحة الفقر والجوع في العالم.
لكن غير المألوف هذا العام هو دعوة ماليزيا لقادة الدول الثماني النامية الإسلامية الكبرى لعقد قمتهم الدورية في «كوالالمبور»، بالتوازي مع قمة الدول الثماني الصناعية الرأسمالية الكبرى المنعقدة في «توياكو» اليابانية، ليس كمحاولة من ثماني الجنوب للاحتجاج على سياسات ثماني الشمال، بقدر محاولة تأكيد ضرورة تجمع الجنوب للتعاون المشترك لتنمية الجنوب.
ومع وجود تكتلات اقتصادية عولمية تحاول أن تشكل بقيادة أميركية حكومة العالم ممثلة في مجموعة الدول الثماني الصناعية الكبرى والتي تحاول فرض أجندتها على العالم، ليس اقتصاديا فقط بل وسياسيا أيضا مثلما جرى في «سي آيلاند» حين وظفت واشنطن هذه المجموعة لتبني مشروعها التفكيكي للمنطقة العربية والإسلامية والمسمى «الشرق الأوسط الكبير».
وبينما تبدو الدول الصناعية الكبرى، مسؤولة عن تفاقم المشاكل الكبرى لدول الجنوب النامية، سواء في الحجم الهائل للديون أو في تنامي مساحة الفقر والبطالة، وعن تفاقم أزمات الغذاء والطاقة والاحتباس الحراري والهجرة غير الشرعية التي تواجه العالم كله بشماله السابق إلى النمو وجنوبه الساعي للنمو.
وبينما انطلقت قمة دول الشمال الثماني الحالية بيوم جنوبي بحضور قادة سبع دول افريقية، هي جنوب افريقيا والجزائر وأثيوبيا وغانا ونيجيريا والسنغال وتنزانيا، للمطالبة بالوفاء بتعهدات قمة اسكتنلدا عام 2005، بمضاعفة مساعدات الثماني السنوية للقارة في 2010، قياسا إلى مستواها في 2004 وهو 25 مليار دولار، إذ لم تف إلا بأقل من ربع ما تعهدت به فقط!
تبدو الدول الإسلامية الثماني الكبرى، ماليزيا ومصر وإيران وتركيا وإندونيسيا وباكستان وبنغلاديش، منذ قمتها الأولى في اسطنبول عام 1997 بمبادرة من الرئيس التركي الأسبق «نجم الدين أربكان»، مصرّة على مواجهة التحديات الخارجية للدول النامية والدول الإسلامية في ظل سياسة «العولمة» التي تكرس «الهيمنة» الاقتصادية للدول الكبرى على اقتصادات الدول الصغرى في العالم.
كما يشير إلى مواصلة سعي هذه الدول، والتي تمثل شعوبها أكثر من نصف مليار نسمة بما يعادل نصف سكان العالم الإسلامي، ونحو 14% من عدد سكان العالم، ويصل ناتجها المحلي الإجمالي إلى 1220 مليار دولار بسكانها وإنتاجها وأسواقها الكبيرة، للوصول إلى مراكز عالمية متقدمة في المجالات الصناعية.
ومثلت التجربة الماليزية قوة دفع على هذا المسار، مع تأكيد التزامها بالعمل على زيادة معدلات التنمية والتعاون في ما بينها، من أجل مواجهة التحديات الاقتصادية الداخلية ذات الآثار الاجتماعية السلبية العميقة على شعوبها مثل الفقر والبطالة، عن طريق زيادة الاستثمارات الإسلامية في الدول الإسلامية الواعدة.
وعلى تحقيق أهداف الأجندة الإنمائية للأمم المتحدة، بالمساهمة في محاربة الجوع وتوفير الإسكان للفقراء وتوفير العلاج من الأمراض لغير القادرين، وتوفير مستوى أعلى من التعليم للأميين، وإيجاد فرص العمل للعاطلين في الجنوب، والسعي لتعزيز التنمية في الدول الإسلامية، والمشاركة بقدر أكبر في الاقتصاد العالمي وحركة التجارة العالمية وفق شروط عادلة.