منذ أيام عرضت قناة «العربية» تقريرا عن برنامج تم تخصيصه وتفعيله للمتقاعدين في الولايات المتحدة الأميركية. تقوم فكرة البرنامج على إتاحة الفرصة للمتقاعدين لإكمال تعليمهم الجامعي أو دراساتهم العليا، والإقامة في سكن داخلي أشبه ما يكون بمساكن الطلاب في الجامعات والكليات. يهدف البرنامج إلى الاستفادة من خبرات ومهارات المتقاعد وملء فراغه وتنشيط عضلاته وقدراته الذهنية من خلال حضور المحاضرات والدروس النظرية والميدانية دون ركنه في الزاوية بعد أن يتقاعد.
وقد نقل البرنامج عن موظفين فيه ملاحظاتهم حول جدوى هذا المشروع، وكيف انه بالفعل استطاع تنشيط ذاكرة المتقاعدين وإعطائهم حافزا أكبر للحياة، خاصة وان عددا منهم سخر مهاراته وخبراته للاستفادة مما يتعلمه في الجامعة.
من ينظر إلى البرنامج والفصول الدراسية التي ملئت بالمتقاعدين يستطيع أن يرى كيف ان الاستثمار في الإنسان يبقى هدفاً في بعض المجتمعات حتى آخر رمق. فالمتقاعد لا ينبغي تجميده أو إهماله وإسلامه لفراغ قاتل لا يعرف كيف يقضيه، كما هو حاصل لدينا، رغم ان اعمار المتقاعدين في الدولة تقل كثيراً عن المتقاعدين الذين أجرى البرنامج بعض المقابلات معهم، والذين رغم تقدمهم في العمر مازالوا قادرين على الدراسة والاسترجاع وإجراء التجارب العلمية والمشاركة في المحاضرات بأداء لا يقل عن أداء الشباب في الجامعات.
فإذا كان هذا حال المتقاعدين في الولايات الأميركية وغيرها من الدول التي تولي هذه الفئة في مجتمعات أخرى، فلماذا نستكثر نحن من خلال مؤسساتنا التعليمية قبول طلبات المتقاعدين لإكمال دراستهم وعلى حسابهم الخاص بحجة تقدم العمر وعدم الميل لاختلاطهم بالشباب؟
هذا الاستكثار يأتي كصدمة يعاني منها المتقاعدون، لاسيما وإنهم يبدون استعدادهم كله لدفع الرسوم وللاجتهاد دون مقابل آخر غير العلم والرغبة في شغل وقت الفراغ وإفادة أبنائهم وأحفادهم، لكن هذه الثقافة وهي ثقافة الاستفادة من المتقاعد يبدو أنها غائبة عن بعض المسؤولين في المؤسسات التعليمية الذين أغلقوا الأبواب في وجوه أفراد دفعهم حب التعليم لمواصلة تعليمهم، فأسلموهم ليأس وإحباط لا حاجة لهم به في وقت يعانون فيه من الوحدة بسبب استقلالية أبنائهم ومشاغلهم.
لذا فإننا نقول إذا كانت الدول المتقدمة تستثمر في الأفراد حتى بعد تقاعدهم، وتخصص لهم برامج تعليمية لإكمال ومواصلة تعليمهم دون مقابل لفوائد صحية واجتماعية واقتصادية دون شروط تعسفية تنهي صلاحية المتقاعد أو المسن، فنحن نتطلع على الأقل لأن تفتح الفصول الدراسية للمتقاعدين الراغبين في مواصلة تعليمهم دون ان نضع العمر حجر عثرة في طريقهم.
حب العلم نعمة لا توهب للجميع، وطالما وجد محبون ومقدرون لها، فلابد ان يلحقهم جانب من التقدير من خلال دفعهم للتعليم والاستفادة من أية فرص تنأى بهم عن فقدان الذاكرة أو المرض والهرم، الذي يجعلنا نتحسر عليهم عندما تنتهي الحال بهم على أسرة بيضاء أو في استراحات للشواب في حين هناك أماكن أخرى أولى وأجدر بهم.
