بعد صدور كتابنا «المياه العربية.. التحدي والاستجابة» عام 2000م، يقرر مركز دراسات الوحدة العربية في لبنان ترجمته إلى اللغة الإنجليزية هذا العام 2008م، ويبدو أن أزمة المياه العربية لا تزال قائمة.
وستكون سبباً لأزمات وحروب قادمة بين العرب وجيرانهم، فإسرائيل لا تزال تمسك باحتلالها للأراضي العربية وبمصادر المياه في جبل الشيخ ونهر اليرموك وبحيرة طبرية والمياه الجوفية في الضفة الغربية، كما استنزفت مياه نهر الليطاني اللبناني لفترة طويلة، وهي تتحكم بمصادر مياه نهر الأردن.
أما تركيا فقد نفذت مشاريعها في بناء السدود على منابع نهر الفرات في جنوبها، مما كان ولا يزال له تأثيره السلبي على سوريا والعراق بانخفاض منسوب مياه نهر الفرات فيهما، أيضاً إيران تتحكم ببعض الروافد والأنهار التي تصب في نهري دجله وشط العرب. وفي جبهة أخرى تمضي أثيوبيا في مشاريعها بإقامة سدود على منابع نهر النيل (الرئيسية)، وهناك مشكلات حول حصص دول وادي النيل من مياه النهر.
وتعاني مياه الأنهار في وقتنا الحاضر مشكلة تلوث المياه بالمواد الكيماوية وغيرها، التي أدت وتؤدي إلى انتشار الأمراض الخطيرة، كما تؤدي إلى ظاهرة الاحتباس الحراري التي نتج عنها ارتفاع خطير في درجات الحرارة وتهدد الحياة على الأرض. إضافة إلى كل ذلك، هناك سوء استغلال الثروة المائية في الدول العربية بسبب الجهل والتخلف وسوء الإدارة.
هذا ما يتعلق بالمياه السطحية، أما شح المياه العذبة في عدد من الدول العربية التي تفتقر إلى الأنهار، فهذه قضية أخرى لا تقل أهمية وخطورة عن غيرها، بل أخطر من تلك الدول التي تملك الأنهار وتعاني تهديداً لمياهها.
بصورة عامة المعروف أن التساقط المطري في العالم العربي قليل ومتفاوت من دولة لأخرى ومن منطقة لأخرى، وهو في العموم لا يتعدى بحده الأقصى 600 ملم سنوياً و300 ملم في أغلب الدول العربية في وقتنا الحاضر.
وأن مصادر المياه للأنهار الرئيسية في العالم العربي (النيل والفرات) تقع خارج العالم العربي، فالنيل من الهضبة الإثيوبية والبحيرات الإفريقية، والفرات من جنوب تركيا، أما نهر دجلة فمنابعه من جبال زاغروس في شمال إيران، وهناك انهار صغيرة منابعها عربية في لبنان وغيرها.
والمشكلة الثالثة التي تعانيها المياه العربية هي المياه الجوفية في عدد من الدول العربية، فهي تتعرض بدورها للمخاطر، فإما تختلط مياهها بآبار النفط، أو دفنتها حركة العمران خاصة على السواحل، أو نضب بعضها بفعل الاستنزاف غير المقنن والحفر العشوائي كما هي الحال في اليمن، أو سرقة مياه بعضها كما فعلت إسرائيل بالمياه الجوفية في الضفة الغربية من فلسطين.
إن استغلال واستنزاف المياه الجوفية يتم بكميات كبيرة وبسرعة، وأكثر المناطق التي تعاني من هذه الظاهرة هي: اليمن والدول العربية في القرن الإفريقي، وموريتانيا، وبعض دول الخليج والجزيرة العربية. ويعتقد سكان الخليج والجزيرة العربية خطأ أنهم في مأمن من شح المياه العذبة، وأنه ليست هناك أزمة مائية تهدد حياتهم في المستقبل لأنهم يعتمدون على تحلية مياه البحر!
أولاً: هناك زيادة كبيرة في عدد السكان مواطنين ووافدين، ويعني ذلك زيادة في استهلاك المياه. وثانياً: إن تحلية مياه البحر مكلفة مع صيانة محطاتها. وثالثا: إن دول الخليج العربية لديها النفط والغاز أي الطاقة للتحلية اليوم، لكن ماذا عن المستقبل فالنفط مورد ناضب مهما طال عمره! ورابعاً: أن محطات التحلية قد تتعرض للتخريب لا سمح الله عند حدوث أزمة أو حرب إقليمية، وعندها تكون الكارثة.
وعندما تكون لدينا مشكلة خطيرة مثل الشح في المياه، فسيكون العرب عرضة للاستغلال والضغوط. ومن يعوّل على السلام مع إسرائيل أو حماية العرب تحت مظلة القانون الدولي، أو أن العرب يملكون حق السيطرة على مياههم أو المياه المشتركة مع دول الجوار، مخطئون ألف مرة. فليس هناك في الأفق أي بوادر للسلام مع إسرائيل.
وهو سراب نجري نحوه فيختفي، ولأن القانون الدولي تحت سيطرة الأقوياء وبطبيعة الحال العرب ليسوا منهم، وليس لدى العرب مقدرة وحالهم يتدهور، فلن يستطيعوا السيطرة على مياههم والمياه المشتركة عابرة الحدود، وقد نصل في يوم من الأيام إلى أوضاع غير سارّة فنشتري مياهنا المشتركة من دول الجوار أو المقايضة بالنفط أو غيره.
وقد تشتعل حروب سببها المياه فنفقد ما تبقى لنا من مصادر لهذه الثروة، كما حدث في حرب 1967م حيث فقد العرب مياه جبل الشيخ في الجولان ومياه نهر اليرموك الذي يصب في بحيرة طبرية وجزءا كبيرا من مياه نهر الليطاني والمياه الجوفية في الضفة الغربية، وانخفض منسوب نهر الفرات بفعل السدود التركية والبحيرات خلفها منذ تسعينات القرن الماضي، كما انخفض منسوب نهر النيل لمشاريع دول منبع النهر في إفريقيا إلخ...
كذلك تدخل المعادلة أزمات محلية وإقليمية، مثل النزاع على شط العرب بين العراق وإيران، والحرب الأهلية في الصومال، والنزاع على مياه نهر السنغال بين موريتانيا والسنغال، والنزاع على مياه نهر الأردن بين إسرائيل والأردن، وغيرها من النزاعات على هذا المورد الطبيعي الاستراتيجي الهام.
إن موارد ومصالح العرب الأساسية تتعرض للمخاطر في فترات ضعفهم وتشتتهم وانقسامهم واشتعال الحروب بينهم، ومن يتتبع قصة المياه التاريخية وتعرضها للأخطار يجدها في فترات التدهور والتراجع والضعف العربي، وبهذا إذا أردنا أن نواجه شح المياه في المستقبل في عالمنا العربي فليس أمامنا سبيل غير بناء الذات وتقوية مقوماتنا الأساسية، لنستطيع فرض إرادتنا على مواردنا ومنها المياه، بعد إصلاح أحوالنا من الداخل.
علينا أن ننتقل في معالجتنا لقضايانا من المعالجات النظرية والآنية إلى الفكر الاستراتيجي، فنبدأ على المستوى القطري فالإقليمي ثم القومي ثم مع دول الجوار الجغرافي. وبداية يجب أن ندرك أن الماء أهم عنصر للحياة والاستقرار ولتأمين الغذاء، كان ولا يزال وسيبقى كذلك.
وأن العرب لديهم ثروة مائية عذبة كبيرة ولكن معظم مصادر هذه المياه غير عربية، وهناك تهديدات دائمة لهذه الثروة، وأن الفساد والهدر أحد مشكلات المياه في عالمنا العربي، وإلا ماذا يعني وجود ثلاثة أنهار كبيرة للماء العذب في العراق وتشكو معظم مناطق العراق من الشح في المياه وتلوثها؟! وكيف يعاني الأردن نقص المياه العذبة في الصيف؟!
لا بل كيف تعاني بعض دول الخليج أحيانا من مشكلات في المياه العذبة ولديها عشرات محطات التحلية من مياه الخليج العربي؟! إن حل مشكلة المياه العربية العذبة في المستقبل لا يكمن في مشاريع شراء المياه أو نقلها من دول أخرى، بل في تنمية المياه العربية وحمايتها على المستوى القطري والإقليمي والعربي، وهذا لن يكون إلا بوجود إرادة عربية تدرك أهمية هذا المورد الحيوي للحياة أولاً، ومن ثم توفر المقدرة في مقومات القوة التي تحمي الإرادة العربية.