لعل هذه هي المرة الأولى التي أكتب فيها مقالا تمنيت ألا أكتبه أبدا. فهو مقال أنعي فيه عالما فذا وأستاذا عظيما وأبا حنونا.
ورغم أن القلم عاجز والكلمات لا يمكنها فعلا أن تعطي راحلنا العظيم حقه، إلا أنني ارتأيت أن أضع ما يجول في خاطري على الورق دون تنميق، ثم أقدم معه للقارئ العزيز اعترافا بأن ما أكتبه هو مجرد نقطة في بحر مما يمكن أن يكتبه من اقتربوا من الدكتور عبد الوهاب المسيري العالم الكبير الذي فقدته الأمة العربية والإسلامية هذا الأسبوع.
أنا لن أتحدث كثيرا عن الأعمال الفكرية لهذا العالم العظيم، فهي ملء السمع والبصر يعرفها القاصي والداني، ليس فقط في العالمين العربي والإسلامي وإنما في العالم كله، وإنما سأتحدث عن عبد الوهاب المسيري الإنسان الذي اقتربت منه فغمرني بعلمه وأستاذيته وأبوته.
كان الدكتور المسيري عالما وفيلسوفا وباحثا مدققا، ولكنه كان أيضا إنسانا ذا تركيبة فذة هي خليط نادر من الصلابة وقوة الإرادة والرقة والعذوبة في آن معا. وكان الاقتراب منه كالاقتراب من طاقة جبارة تشع نورا وأملا وعطاء بلا حدود.
كان نوره هو نور العالم الحقيقي. فهو صاحب الموسوعة والكتب والنظريات، وهو صاحب المنهج الواضح والمدرسة الفكرية التي سوف تظل تحيا معنا عبر تلاميذه وكل من تعلموا منه.
ومع ذلك كله، بل ربما بسببه، كان تواضع العلماء يتجلى في إنصاته باهتمام لرؤى الآخرين، وفي بحثه الدائم عن الجديد ليقرأه ويدرسه. لم يكن الدكتور المسيري عالما يجلس خلف أسوار تحجبه عن مجتمعه وقضاياه، ولم يكن أستاذا يصنع المسافات بينه وبين طلابه.
وفي مرحلة تمر فيها أمتنا بمحنة حقيقية صار انحسار قيمة العلم إحدى تجلياتها، كان الدكتور عبد الوهاب المسيري نموذجا يحتذيه الشباب في تقديس العلم. فهو الذي أفنى عمره في دراسات تصب بشكل مباشر في مصالح أمته. والبحث العلمي كان يجري في دمائه لم يفارقه أبدا.
فحتى خلال محنته الأخيرة، ما إن خرج من غرفة العناية المركزة إلى غرفته في مستشفى فلسطين الذي وافته المنية فيه، حتى اتصل بمساعده يسأله عن أوراقه وأبحاثه ويتابع معه المطلوب إنجازه. لم يكف أبدا عن الحديث عن مشروعاته البحثية المستقبلية، وكان في الشهور الأخيرة يتحدث عن الكثير منها، خصوصا كتاب الشعر الرومانتيكي الذي كان يحلم بأن ينتهي منه.
أما الأمل فكان كالشعاع الذي يتدفق من وجدانه فيتسرب إلى كل من يقترب منه ليغمر نفوسهم. يتركونه بشعور يختلف عن شعورهم قبل لقائه، ويتملكهم الإحساس بالقدرة على مواجهة صعاب الحياة. فقد كان الدكتور عبد الوهاب المسيري مدرسة لمن يريد أن يعرف الإيمان الحقيقي ويتعلم قوة الإرادة. فرغم أنه لم يكن يتحدث كثيرا عن تدينه وإيمانه، إلا أنه كان يعيش ذلك الإيمان ويتنفسه، فيلمسه كل من حوله في كل تصرفاته وسكناته.
وفي زمن يحيط فيه التدين المظهري الزاعق بنا من كل جانب، كان الدكتور المسيري عميق الإيمان بلا ضجيج ولا افتعال. كان في تعامله مع المرض الشرس صابرا محتسبا مؤمنا بقضاء الله، صاحب إرادة فولاذية وروح مرحة لم يسمح للمرض بهزيمتها حتى اللحظات الأخيرة من عمره.
وفي الوقت الذي لا يكف فيه البعض عن الشكوى كلما ألمت بهم نزلة برد بسيطة، كان الدكتور المسيري يتلقى علاج السرطان في المستشفى في الصباح، ثم يجمع أحباءه وتلاميذه حوله في بيته في المساء، لا يحكي أبدا عن معاناته مع المرض وإنما يحدثهم عن مشروعاتهم المستقبلية ويناقشهم فيها ويبعث فيهم الأمل.
لم يكن يتحدث عن مرضه العضال إلا في إطار ساخر، وكثيرا ما كان يذكره مقترنا بإسرائيل باعتبار أنهما ـ السرطان وإسرائيل ـ «العدوان اللدودان» له في هذه الدنيا. كان يعشق مساعدة الشباب، فتح لهم قلبه وعقله ولم يبخل بوقته وجهده. تبنى الكثيرين منهم أدبيا ومعنويا، بل وتبنى بعضهم أيضا ماديا. كان الشباب يلتفون حوله لأنه أحبهم من أعماقه وآمن بهم وبقدراتهم، فمنحهم الثقة بالذات والأمل في المستقبل.
أما العطاء، فهو لم يقتصر على العطاء العلمي والفكري الذي يعتبر ثروة حقيقية تملكها أمتنا. فالدكتور المسيري كان معطاء على مستويات أخرى كثيرة. فقد اختار أن يستخدم مصداقيته التي بناها عبر سنوات طويلة من العمل الفكري، لدعم مواقف سياسية آمن بها.
فهو لم يترك البرج العاجي للمثقف فقط، وإنما نزل إلى الشارع متظاهرا وداعما لأجيال من الشباب في مشروعاتهم السياسية والفكرية، ولكن العطاء كان أيضا عطاء معنويا هائلا. فقد كان العالم الكبير نبعا صافيا يغدق على كل من حوله من حبه ودعمه بلا حدود. فقد كان رقيقا حنونا أضفى على حياة الجميع بهجة لا حدود لها رغم آلامه، وكان هو الذي يطمئن عليهم رغم معاناته.
وبعد أيام من رحيله، رحت أتأمل حالة الصدمة التي أصابتنا جميعا يوم الرحيل. فهي حالة فعلا تستحق التأمل، لأن معاناته الشديدة خصوصا في الأيام الأخيرة كانت معروفة للكافة. وتفسيري الوحيد لتلك الصدمة التي أصابت الكل، هو أن تلك الطاقة الجبارة من النور والأمل والعطاء هي التي جعلتنا نتصور أنه سيتغلب على المرض مهما كانت شراسته، وسيعود إلينا مهما كانت معاناته.
لكن آلام فراقه جعلتنا ندرك في الوقت ذاته أن تلك الطاقة الجبارة سوف تظل تحيا معنا ننهل منها رغم رحيله، وسيظل هو في قلوبنا نبكيه وعلى وجوهنا الابتسامة التي كان يحب أن يرسمها بنفسه على وجوه كل من حوله.
رحم الله الفقيد العظيم وألهم كل محبيه الصبر والسلوان.
