المثير في ما يجري حاليا على صعيد تشكيل الحكومة اللبنانية، أن الفرقاء المعنيين، أو بعضا منهم على الأقل، يتعاملون مع مسألة توزيع الحقائب وفق منطق يشبه إلى حد كبير منطق السوق التقليدي.

وما يمكن تحقيقه من مكاسب وأرباح. فهؤلاء الذين يعتبرون أن إصرارهم على هذه الحقيبة أو تلك مرهون بحسابات حزبية ذاتية لا وطنية شاملة، يمنحون لأنفسهم حق المماطلة وممارسة حرب الأعصاب التي تطال كما العادة فئات الشعب المسكين، لنيل ما يستطيعون اكتسابه أملا باستثمار ذلك لمصالح ضيقة لا تزال مجهولة بالنسبة لنا.

ولعل الأكثر إثارة في ما نسمعه من تصريحات بين الفينة والأخرى، هو أنها تركز على حق هذا الطرف أو ذاك لتولي حقيبة ما، وإصراره على أنه لا يجوز للطرف الآخر احتكار أية مسؤولية، في حين غابت على ما يبدو المصلحة الوطنية الشاملة التي من المفترض أن يتظلل بها الجميع.

وقد نتوافق مع طارحي شعار عدم استئثار أي طرف بالسلطة إذا ترجموا ذلك بخطوات عملية تثبت للشعب المظلوم بأنه سيكون قادرا في المستقبل على الاعتماد عليهم، أو إذا جاءت مطالباتهم ضمن ظروف سياسية طبيعية مختلفة كليا عن تلك القائمة حاليا، والتي أقل ما يمكن أن يقال فيها هو أنها ترسم بعض فصول التاريخ الحاسم للبنان الحديث.

في العالم الآخر الذي تأصلت فيه الحياة الديمقراطية بشكل جذري، نشهد بين الوقت والآخر صراعات ومطالبات عند تشكيل الحكومات الائتلافية على شتى أنواعها.

وعندما يستعصي الحل، يتم اللجوء إلى الدبلوماسية التي تلزم الأطراف المعنية بقبول الحلول الوسط انطلاقا من الاعتراف بفن الممكن، وبالتالي يتحمل الجميع مسؤولياتهم بكل صدق وإخلاص أمام الرأي العام، وكذلك أمام الشركاء الآخرين في الائتلاف الحاكم.

وقد تشكل الصيغة المتبعة هنا في بعض الأحيان منطلقا بسيطا لإيجاد حل وقتي لما نشهده من مسرحيات اللعب بأعصاب المواطنين اللبنانيين. ففي العالم الديمقراطي «المتحضر»، عندما يفشل حزب ما بالحصول على الحقيبة الوزارية المرجوة، يتم تعويضه عن ذلك بمنصب نائب للوزير.

وفي حال كانت الحكومة الائتلافية الكبيرة (وهي بجميع الأحوال لن تكون أكبر من حكومات لبنان العظيم) فإن كافة الأحزاب المشاركة تحصل على منصب نائب للوزير، الذي من المفترض حسب التقاليد المتبعة أن يكون اليد اليمنى أو اليسرى لا فرق للوزير المعني.

ومشاركا في كافة القرارات التي يتم اتخاذها وتنفيذها، بل انه قد يكون في بعض الأحيان المنفذ العملي والأساسي للسياسة التي يضعها الوزير بعد التشاور طبعا بين القوى الحليفة في الإطار الأشمل، وداخل الحكومة في الإطار الأضيق. وينساق هذا التقليد حتما على كافة الوزارات الأخرى التي يتم توزيعها بين الأحزاب والقوى المشاركة.

قد يكون هذا المثال جيدا للصيغة اللبنانية الحالية التي أتحفظ شخصيا على اعتبارها فريدة من نوعها مثلما يدّعي كثيرون، حيث انها قد تمنح المسؤولية والمشاركة على حد سواء للجميع دون استثناء، فلا يسمح لهذا الطرف أو ذاك بالتفرد في آلية صنع القرار وكيفية تنفيذه، طالما أن التوافق قد حلّ في أوقات زمنية سابقة وتم توزيع المسؤوليات وفق النسب المتفق عليها.

وحتى تأمين المشاركة الحقيقية لكافة قطاعات الشعب من خلال تأمين قانون انتخابي صحّي وسليم يبتعد في أسسه العملية عن مسألة التمثيل الطائفي ويقترب من فرضية التمثيل النسبي الشامل، فإن إيجاد المشاركة داخل الحكومات التي ستتعاقب على لبنان في المستقبل القريب والبعيد سيكون مرهونا بصدق النوايا الوطنية لجميع القوى التي تدّعي تبنّيها.

ان ما يجري في لبنان حاليا ليس مرتبطا إذا بحق المشاركة، لأن ذلك يمكن تأمينه بطرق وأساليب كثيرة متعددة. ما نحن أمامه في واقع الأمر هو استكمال لحالة الابتعاد بين فريقين سياسيين كبيرين تلتصق بهما نتوءات متفرقة من حيث الحجم والتأثير.

وهو في المحصلة النهائية ترجمة أكيدة للمخاض الكبير الذي تشهده منطقة الشرق الأوسط ومازالت نتائجه غير واضحة المعالم حتى الآن، برغم الخسائر والمآسي الكثيرة التي تشهدها تلك المنطقة بين وقت وآخر.

ولا شك بأن حالة الابتعاد هذه ستستمر لوقت طويل، آخذا بعين الاعتبار أن عدد القوى المؤثرة على الأرض ليس قليلا، وجميعها تتبنى مشاريع سياسية متباينة إلى حد خطير إن لم نقل مختلفة جذريا، في حين أن بعض النتوءات التي سبقت الإشارة إليها قادرة على الأقل لإثارة البلبلة بين وقت وآخر إذا وجدت نفسها مستبعدة من اللعبة السياسية أو غير قادرة على ممارسة طموحها السياسي.

ما يثير انتباهي شخصيا في الساحة السياسية اللبنانية هو أنها مطّاطية وزئبقية بدرجة كبيرة، بحيث ان التحالفات القائمة حاليا قد تتغير مع اختلاف الزمن وهو ما تؤكده لنا التجارب الكثيرة التي شهدناها في مراحل سياسية وتاريخية مختلفة.

إن هذه التجارب تجعلنا نؤمن حقا بأن تحالفي قوى 8 آذار و14 آذار لن يتمكنا من الحفاظ على تماسكهما الحالي، آخذا بعين الاعتبار الشعارات المرحلية والاستراتيجية الكثيرة التي تتبناها تفرعاتهما الكثيرة، والتي قد يصل بعضها إلى نقطة زمنية حاسمة ستصعّب عليهم الاستمرار في هذا المعسكر أو ذاك.

ان هذا الأمر سيشرع الأبواب حتما أمام تكهنات كثيرة حول مستقبل الحياة السياسية في لبنان والمنهج الذي ستتبناه القوى المختلفة، التي من المفترض وفق ما نسمعه حاليا بأنها ستبدأ بالانضواء تحت لواء الدولة الواحدة الموحدة الحاضنة لجميع أبنائها بغض النظر عن تنوع انتمائهم الحزبي أو معتقداتهم الإيديولوجية.

لقد علّمنا التاريخ دائما، بأن القوى السياسية تبقى خالدة بمدى درجة عطائها للوطن، في حين ان القوى الأخرى التي تشرع في تدمير الوطن ونشر الفتن بين مواطنيه تسير دائما إلى زوال حتمي، أو إلى مزبلة التاريخ.

كاتب لبناني

ezzedine@vol.cz