منذ زرت لبنان للمرة الأولى عام 1998 لم أنقطع عن زيارتها، كما كانت مسرحا لجزء من أحداث روايتي الأولى «القاهرة.. بيروت.. باريس»، وبمرور الزمن أصبحت لي فيها شبكة من الصداقات من طوائف عديدة وفي يونيو 2008 زرتها مرتين تفصل بينهما أيام محدودة عددا من الأصدقاء وأزعجني وجود أشباح لم أشعر بوجودها من قبل.
صديق شيعي اعتذر عن زيارتي في الفندق الذي أنزل فيه لأنه في منطقة سنية و«يفضل» ألا يذهب إليها.. صديقان سني وشيعي لم استطع الالتقاء بهما في لقاء ثلاثي طالما جمعنا في زيارات سابقة بسبب شروخ عميقة أحدثتها التداعيات الأخيرة في لبنان.. صديق سني قريب من حزب الله لم أستطع الالتقاء به مطلقا في احتجاج صامت منه على انتقادات وجهتها لأداء حزب الله في الأزمة اللبنانية..
أما الاتهامات بالتسلح وتجنيد الميليشيات أو التخطيط للعدوان فحدث عنها ولا حرج، وفي الاتجاهات نفسها تتوزع المواقف العدوانية بحق سوريا والولايات المتحدة حسب الانتماء المذهبي للمتحدث.
وهذه الوقائع ليست شخصية فجميعهم شخصيات عامة لها صلة مباشرة بمجريات الأحداث في لبنان وردود الأفعال التي أتحدث عنها كلها وليدة الخلاف السياسي لكن الجديد أن القدرة على التواصل مع وجود الخلاف تتضاءل بشكل مقلق، أما رجل الشارع العادي (سائق تاكسي ـ عامل فندق ـ بائع..) فيتداولون كما من الاتهامات الشنيعة بحق النخبة السياسية اللبنانية لا يصدق.
والاتهامات تطال الجميع فإذا محدثك من السنة فإنه يرفع رموز تيار المستقبل إلى السماء السابعة ـ كما يقول التعبير الدارج ـ فإذا كان شيعيا نزل بهم إلى الدرك الأسفل، والقاعدة مطردة.. وهكذا!
والنظر إلى لبنان اعتمادا على وفاق الدوحة وحده مضلل فرغم أن الانفجار لم يقع فإن أسباب وقوعه لم تزل قائمة بدرجة كبيرة والتعبيرات الطائفية أكثر حضورا من أي وقت مضى، على الأقل خلال السنوات العشر التي زرت فيها بيروت.
والسؤال: هل يستعيد اللبنانيون وطنهم من قبضة هذه الأشباح؟