ثمة نكتة فلسطينية قديمة تقول إن الراحل ياسر عرفات ذهب إلى الحج فعين له السعوديون مطوفاً سعودياً. أدى الشعائر كلها إلى أن وصل إلى شعيرة رمي الجمرات. قال له المطوف: ابدأ برمي الجمرات على الشيطان، فرمى عرفات.. واحدة، اثنيتن، ثلاثاً، أربعاً، خمساً ثم توقف فجأة.
فالتفت المطوف نحوه متسائلاً: لم توقفت عن الرمي يا أبا عمار؟ ابتسم كعادته قائلاً: «بقطعش خطوطي مع حدا».. (لا أقطع خطوطي مع أحد). نعم حتى الشيطان، ورغم جرعة الهزل الوافرة في هذه النكتة، فمن الصعب أن نظفر بجملة واحدة تلخص أسطورة اسمها «ياسر عرفات» مثلما تختزله هذه النكتة. لكن هذه الأسطورة هي بالضبط ما عمل الإسرائيليون بكل دأب ومثابرة على تحطيمها لا بالحرب فحسب بل بسلاح أقوى من ذلك بكثير.
في كتابه «الموساد من الداخل» الصادر في الثمانينات، يتحدث ضابط «الموساد» السابق فيكتور اوستروفسكي عن ذلك القسم المختص بالحرب النفسية وبث الإشاعات في الموساد ويسوق مثالاً على ذلك تلك الإشاعة التي أطلقها الموساد حول تقبيل عرفات لضيوفه.
يذكر اوستروفسكي أيضاً أن الموساد يطارد عرفات ساعة بساعة ولحظة بلحظة ويضرب مثالاً على تلك الملاحقة بقوله انك إذا أدخلت كلمة «عرفات» في الحاسوب ستجد خريطة للعالم وفيها بقع مضاءة بالأحمر علامة كل المدن والأماكن التي زارها عرفات في الأربع وعشرين ساعة الأخيرة.
وعندما سقطت طائرته في الصحراء الليبية كان الأميركيون أول من عرف بذلك عن طريق الأقمار الصناعية وأول من نشر النبأ. لكن هذه الحقيقة تم استقبالها بفهم مختلف تماماً: «لقد أعلن الأميركيون هذا لأنهم يحمونه وهو رجلهم».
أما اجتياح جنين في ابريل 2002 وحصار عرفات في المقاطعة منذ ذلك الاجتياح وحتى تسميمه وقتله في نوفمبر 2004، فلم يكن ليثير أي تساؤل عن الأسباب التي تدفع الإسرائيليين لمثل هذا التصرف حيال رجل «خائن» بالنسبة للعرب و«يحميه» الأميركان.
لكن في كتابه «جواسيس جدعون» يقدم أحد الخبراء القليلين في شؤون «الموساد» غوردون توماس، تفاصيل حول موت عرفات لا يستثني منها تفاصيل العشاء الأخير لابو عمار قبل ان تنتابه أعراض التسمم الذي مات بسببه ويتساءل: «هل أقدم مائير داغان (رئيس الموساد) على ما رفضه أسلافه (..) وأجاز عملية متهورة لاغتيال ياسر عرفات؟».
لكنه يختم الفصل بعبارة قالها مائير داغان لأحد مساعديه «المأساة الوحيدة في موت عرفات انه لم يحدث باكراً لأنه فشل في التخلي عن البندقية». (غوردون توماس «جواسيس جدعون»، ص435، الدار العربية للعلوم2007).
وفي الفصل المعنون «الخليفة الجديد للإرهاب»، يتحدث عن قيام علماء نفس ومحللي الموساد ببث ادعاءات وقصص حول ثروة عرفات في مسعى لتحطيم صورة عرفات. يستهل توماس ذلك الجزء قائلاً «استنتج محللو الموساد أن إحدى الطرق لاستعادة الدعم لخارطة الطريق لتحقيق السلام كانت تحطيم أسطورة ياسر عرفات».
ويزيد بالقول انه «في الفترة التي تلت وفاة عرفات بدأت القصص بالظهور على المواقع تدعي انه خان شعبه لصالح تبجيل شخصيته وتركز على فقدانه للنزاهة الأخلاقية». ان الأحاديث حول ثروة عرفات هي أحد أهم القصص التي اشتغل عليها الموساد بدأب ومثابرة، مثلاً يذكر توماس بناءً على معلومات «جاءت من 24 محطة للموساد حول العالم». ما بثه الموساد هنا هو ان عرفات «استحوذ على 5,6 مليارات دولار أميركي».
لكن ما يعرفه الفلسطينيون جميعاً هو أن الرجل مات ولم يكن يملك منزلاً. والمنزل الوحيد الذي سكن فيه في غزة كان هدية من مستثمر فلسطيني. ولم يخلف عرفات المال لوريث من إخوته أو عائلته. وما يعرفه الفلسطينيون والإسرائيليون جيداً أن أموال المنظمة بعهدة بضعة قياديين فلسطينيين وهو ما يذكره توماس أيضاً.
لكن لماذا يقتل الإسرائيليون عرفات ولماذا ظلوا يكررون انه عراب الإرهاب فهذا أمر لم يذكره توماس ولا يعرفه إلا فلسطينيون قلائل. من يعرفون الرجل منذ أيام بيروت يذكرون خصلة واحدة ارتبطت به: كان يدفع أموالاً لكل التنظيمات الفلسطينية حتى التي تناوئه. كان يحرص على استقلالية القرار الفلسطيني بطريقته ويرفض ان يتجه أي تنظيم فلسطيني إلى أي جهة حتى لو كانت دولة عربية لاستلام أموال.
ربما يقال انه كان يمول التنظيمات الفلسطينية لإبقائها تحت جناحه، هذا احتمال أو تفسير ممكن، لكن هناك تفسير آخر: طالما أن هدفها هو محاربة إسرائيل حتى بوسائل وسياسات مختلفة، تذكروا النكتة السالفة. يكتسب هذا التفسير أرجحية لأنه كان مثلاً يرفض إدانة العمليات التي تقوم بها تنظيمات فلسطينية أخرى (اخيل لارو وغيرها).
وفي مرحلة ما بعد أوسلو وبعد أن أصبح الظرف يتطلب إدانة علنية، راح يدين العمليات علانية بل ويعتقل ناشطي التنظيمات الأخرى. لكن ما يعرفه فلسطينيون قلائل والإسرائيليون دون شك انه كان يمول هذه التنظيمات ويمدها أيضاً ببعض الاستشهاديين. وكان هذا كافياً لكي يتخذ الإسرائيليون قراراً بتصفيته.
لا أعتقد أننا بحاجة للمراجعات والاستدلال العقلي والخروج بالاستنتاجات الصحيحة لإنصاف الرجل شخصياً، بل للوصول لفهم سر كراهية الإسرائيليين والأميركيين لعرفات، انه تفكيره وأسلوبه ومنهجه. أي المقابل الجدي والعملي لمدلول النكتة: «كل الخيارات مفتوحة».
