الخطأ القاتل أن تنشأ خلافات تؤدي إلى حرب إعلامية وتكرار أو استنساخ الخلافات العربية التي أنشأت لذلك إذاعات وصحف، وإطلاق مؤامرات وتعابير خرجت عن أدنى لباقة في العلاقات، لتعاد بنفس الأساليب والسيناريوهات بين دول الخليج، حتى أن دورة رياضية لكرة القدم كادت أن تفجر مشاكل تصل إلى الشارع، مما جعل البعض يطالب بحلها لولا حكمة بعض القادة وعقلاء القائمين عليها..
في مراحل سابقة كانت الخلافات تستورد باسم الاتجاهات الحرة، والأخرى القمعية الرجعية، وبعد انكشاف غطاء الغشاوة على العيون، والتأثر بالشعارات والظاهرة السمعية التي سادت الشارع العربي، أدرك الخليجيون أنهم مستهدفون زمن شاه إيران الذي هدد باحتلال البحرين، ثم صدام الذي أراد ضم الفرع للأصل دون أن يدرك أن سياسة محو بلد من الخارطة غير واردة في زمن هيمنة القوى وتعدد المصالح وتنافرها..
ثم ما كان من خلاف بين المملكة وقطر عندما أججت محطة الجزيرة المشاعر وكادت تلك الأساليب أن تخلق وضعاً لا يخدم مصلحة البلدين، كإغلاق الحدود أو تأجيج مشاعر مواطنين بالبلدين يتصلون بينهم وقبائلهم إلى علاقة مشتركة، لكن الإدراك - ولو جاء متأخراً - فرض طبيعته وقوة حاجته، وتعاطيه مع العقل..
فتشكيل لجنة مشتركة تراعي كافة العلاقات بين البلدين ثم تسوية الحدود وإعادة الثقة المفقودة، أمر طبيعي بأن تغير المفاهيم الناشئة وتطرح بعد العلاقة من أفقها المفتوح، والغريب أن البلدين هما من يسعيان لردم الخلافات العربية والانفتاح على كل الدول، فكيف تتم هذه المساعي مع الطرف الأبعد وتلغي الأقرب الذي يرى في الحاجة إلى التوافق أمراً جوهرياً يأتي تلقائياً وفقاً للعلاقات الطويلة التي سبقت ترسيم الحدود، وحتى نشأتها، والخلاف عليها؟..
وإذا ما خرجنا من الخلافات السياسية إلى الضرورات الأمنية، فالقاعدة العامة تطلعنا أننا جزء من منطقة ملتهبة بكل الاتجاهات، سواء ما يجاورنا ويحادنا، أو يؤثر في سلامتنا واستقرارنا، أي أننا نقف بين حافتين كل منهما قابلة للانهيار تبعاً لعوامل ظروفها الداخلية ونزاعها الخارجي، وتداخلنا مع كل ما يجري بهذا المحيط المرتبك..
العودة للعقل هدف يتصل بنضج الوعي، وقد جربنا جميعاً كيف حدثت المزادات السياسية بين الدول العربية، وعشنا نتائجها التي تسببت بالحروب والهزائم، لتفرز حروباً أخرى أهلية وقطيعة بين سكان المدينة الواحدة، ودول المجلس لا تحكمها عوامل تزيح تماسكها والخطط التي تسير عليها للبدء بتكامل اقتصادي تنشأ خلفه عوامل متصلة بفتح الحدود للاستثمار وبناء هيكل مجلس تعاون حقيقي يخلق أول اتحاد عربي على أسس موضوعية ومصالح تستجيب لرغبات القيادات والمواطنين..
القراءة الصحيحة أن ندرك أننا نملك الفرصة الوحيدة لتغيير تصوراتنا والبدء بتحويل الإمكانات المادية إلى بناء أسس لا تهتز مع نزول أو نضوب النفط، والذي هو أهم مقومات اقتصادنا وازدهارنا، عندما نحوله إلى نقطة عبور إلى التنمية الشاملة التي تهتم أولاً بالإنسان، ثم الصناعات الأساسية، وكل العوامل التي تبني الطاقات البشرية والمادية وفق منظور بعيد لا يعتمد على لحظة زمنية للازدهار، لتجد الأجيال القادمة ما يمنحها نفس الاستمرارية في البناء، والاعتماد على الذات..
نحن نعيش لحظة جديدة في تاريخنا وعوامل النجاح والفشل بين أيدينا، فهل نسير بالاتحاه الصحيح ونغلق منافذ العجز أم ندور في حلقات الفراغ والفشل؟
