إشارة جديدة وجدية أخرى أرسلها سوق النفط يوم الخميس الماضي إذ سجل رقماً قياسياً تاريخياً جديداً: 29, 145 دولاراً للبرميل. ومع أنه في العام الماضي فقط كان يصعب تصور مثل هذا السعر، إلا أن الوضع يكشف عن مفارقتين تستحقان التمعن: الأولى، أن سعر النفط في يونيو من العام الماضي كان قد بلغ 70 د/ب فقط، وقد اعتبر ذلك عاليا جدا.
الثانية، أن سعر 130 د/ب حاليا يعادل، وفق حسابات بعض الدول الأعضاء في أوبك، ما بين 70 ـ 80 دولاراً في العام الماضي فقط بسبب انخفاض سعر صرف الدولار المستمر. وفي بداية هذا الأسبوع قدم نوبوا تاناكا، مدير وكالة الطاقة الدولية في خطابه أمام مؤتمر الطاقة الدولي في مدريد اقتراحا سحر الجميع: يمكن على وجه الدقة القول بأن العالم اليوم يعيش حالة «صدمة النفط الثالثة».
ولعل شكيب خليل، رئيس أوبك أكمل فكرة الأول عندما توقع بأن سعر برميل النفط سيضرب رقم 170 دولارا في صيف هذا العام.
ورغم المفارقات إلا أن هذه الأحاديث الدرامية تنبئ بأن التزايد المتسارع في أسعار النفط يعني بأن أسعار النفط الرخيصة قد ولت إلى أمد غير منظور، كما أنها تؤشر على حقبة جديدة، ربما أعمق أساسا من صدمتي النفط في سنوات السبعينات.
صدمتا النفط في السبعينات تعودان إلى أسباب سياسية. الأولى بعد 6 أكتوبر 1973 واستخدام الدول العربية والأخرى المنتجة للنفط إياه كسلاح للضغط على الغرب. حينها قفز السعر خلال أيام فقط من 3 إلى 5 د/ب، وإلى 12 د/ب في السنة التالية. الصدمة الثانية جاءت بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران. في 22 سبتمبر 1980 قام دكتاتور العراق مدفوعا من حلفائه الغربيين آنذاك بمهاجمة إيران التي لان عودها. أدى ذلك إلى انخفاض الإنتاج، فقلل العرض الأمر الذي صعد السعر إلى 38 د/ب.
«صدمة النفط الثالثة» تختلف جذريا إذ أنها ذات طبيعة اقتصادية وليست سياسية. ولم يعد من اللائق اتهام دول أوبك بأن سياستها الإنتاجية هي السبب ولا من العدل إجبارها على هذه الزيادة. لقد أشارت وكالة Bloomberg إلى أن أوبك زادت إنتاجها من النفط بنسبة 1% خلال شهر يونيو.
الإنتاج السعودي ارتفع الشهر الماضي بمقدار 280 ألف ب/ي ليبلغ 53, 9 ملايين ب/ي مسجلا أعلى قدر منذ مارس 2006. وتبلغ حصة السعودية 88% من قدر الزيادة التي حققتها بلدان أوبك في يونيو الماضي. إنتاج دول أوبك، فيما عدا العراق، ارتفع بمقدار 380 ألف ب/ي ليصل إلى 09, 30 مليون ب/ي.
أما الإنتاج العراقي فقد انخفض بمقدار 60 ألف ب/ي ليصل إلى 34, 2 مليون ب/ي في يونيو بعد أن سجل مستوى قياسيا في مايو الماضي. إيران، وهي ثاني أكبر منتج في أوبك تنتج حالياً، حسبما أعلنه وزير النفط الإيراني في مؤتمر مدريد، تنتج حاليا 35, 4 ملايين ب/ي وتخطط لزيادتها إلى 3, 5 ملايين ب/ي حتى عام 2014.
أما انخفاض إنتاج نيجيريا الشهر الماضي بمقدار 20 ألف ب/ي فقد عوضه ارتفاع إنتاج فنزويلا بنفس القدر (20 ألف ب/ي). ومع ذلك فإذا كان سعر النفط قد ارتفع بنسبة 6, 9% في يونيو فإنه الخميس الماضي سجل ذلك الرقم القياسي التاريخي الجديد.
يكمن السبب في صدمة النفط الثالثة في طبيعة المتغيرات الاقتصادية الدولية وفي احتلال عدد من الدول النامية مكانها الجديد والمتقدم في التقسيم الدولي للعمل.
فمع أن معطيات وكالة الطاقة الدولية تشير إلى أن الدول الصناعية المتقدمة تمر بفترة تراجع في الطلب على النفط بمقدار 1, 0%، لكن ذلك على أية حال لا يقارن بارتفاع الطلب من قبل الصين والهند. الدول النامية تنمو بوتيرة متسارعة جدا.
وهي لحد الآن تبدو قادرة على استيعاب موجات ارتفاع أسعار النفط المتعاظمة. وحسب وكالة الطاقة الدولية سينمو هذا الطلب بنسبة 7, 3% بالرغم من صدمة النفط. وهذا فرق جوهري وحاسم عما كان عليه الوضع في السبعينات.
العامل الثاني في ارتفاع أسعار النفط وفي عدم قدرة البلدين الرئيسيين في أوبك على تلبية تزايد الطلب هو أن التوسع ممكن أساسا في إنتاج النفط ذي المحتوى العالي من الكبريت ( الثقيل) الذي لا يجد طلبا في السوق، بينما أهملت الدول المستهلكة لسنوات طوال الاستثمار الفعال في الاستكشافات النفطية الجديدة وفي بناء مصانع التكرير الإضافية.
ولهذه الأسباب اضطرت إيران مثلا إلى إعادة حقن ما يعادل 70 ألف برميل من إنتاجها اليومي في شهر مايو الماضي إلى المخزون لكونه من النفط الثقيل.
العامل الثالث الذي لا يقل أهمية عن سابقيه هو الأزمة الاقتصادية ـ المالية الأميركية. فهي بشكل مستمر تضعف الدولار الذي يشكل الآن الوحدة الحسابية لغالبية معاملات النفط الدولية.
ا
ويربط الخبراء بضعف الدولار 25% من مقدار الارتفاع في أسعار النفط عمليا. لقد عمد المصرف المركزي الأوربي الخميس الماضي إلى رفع سعر الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية ليصبح 25, 4% توقعا من خبراء المصرف بأن النقابات، وخصوصا الألمانية، ستبدأ العمل من أجل تعويض الأسعار العالية على مواد الطاقة بالمطالبة برفع الأجور، الأمر الذي يمكن أن يؤدي إلى حلزون «الأجور ـ الأسعار».
كما حدث في السبعينات. ويريد المصرف أن يستعد للحدث قبل وقوعه فيمتص من السوق جزءا كبيرا من السيولة تفاديا لزيادة معدلات التضخم المرتفعة أصلا بضعف الحد المرسوم بـ 2% فقط. لكن هذا الإجراء الأوروبي يعزز من دور العامل الثالث في ارتفاع أسعار النفط.
بل أن الارتفاع الأخير حدث قبيل إعلان المصرف المركزي الأوربي إدراكا من السوق أن ذلك سيؤدي تلقائيا إلى انخفاض جديد في سعر صرف الدولار الأميركي، وبالتالي إلى انخفاض دخل البلدان المصدرة للنفط.
وهكذا فأسعار النفط في ارتفاع مطرد. لكن آثارها السلبية أصبحت محسوسة على الدول الخليجية أكثر مما هي على الاقتصاد العالمي بسبب عدم الاستعداد لهذه الحقبة.. كالعادة.
