إن المنطقة المحاذية لنهر الأردن هي من «أكثر المناطق الفلسطينية من حيث الخصوبة والإنتاج الزراعي، ولقد تم تهجير معظم سكانها بالقوة الجبرية في عام 1967.

ولم يسمح الإسرائيليون بعودة هذه الأسر مرة أخرى، حيث تحتفظ شرطة الجمارك الإسرائيلية بقوائم تحتوي على أسمائهم حتى تتمكن من منعهم من عبور أي من نقاط التفتيش الدولية إلى داخل الأراضي المحتلة، فقد يمكنهم هذا من استعادة منازلهم ومزارعهم.»!!

لو كان هذا الحديث للمرحوم جورج حبش نطلع عليه على صفحات «الهدف» أو لنايف حواتمة يصرح به لمجلته «الحرية» الناطقة باسم جبهته، لما صَدّقت الخبر، رغم علمي بما تفعل إسرائيل بالفلسطينيين.

لكن أن يصدر هذا الكلام من شخصية محايدة، بل صديقة لإسرائيل فإن ذلك يجعله من الحقائق التي كان يتشكك فيها الجمهور الأوروبي الغربي والأميركي مدة طويلة من الزمن. إن هذه الشخصية طالما راودها حلم أن يكون هناك «سلام دائم بين إسرائيل وجيرانها «لكي يتم المحافظة على «دماء أبناء إبراهيم» من العرب واليهود والمسيحيين «والتي «تم إراقة الكثير منها.».

إنه جيمي كارتر الذي تربع على عرش البيت الأبيض بين 1977 إلى 1981 والذي بعهده وقعت اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل في كامب ديفيد. وكتابه الذي يحمل عنوان المقالة مهم، بل لعله الكتاب الأهم الذي يكتب عن إسرائيل، لأن صاحبه رئيس سابق لأكثر دولة صديقة لإسرائيل.

وهو أيضاً يتشارك مع الإسرائيليين في تجربة هو بذاته يكشف اللثام عنها، فكما أن الإسرائيليين «اغتصبوا» فلسطين واستولوا على أراضي أهلها دون وجه حق، فإن أجداد كارتر قد فعلوا الشيء ذاته مع الهنود الحمر!!

يقول كارتر (وهو إنساني النزعة بلا شك) بالحرف الواحد: «عَلي أن أعترف أنني ربطت ما بين طرد الفلسطينيين من منازلهم الموجودة داخل إسرائيل وإجبار الهنود الحمر على مغادرة منطقة» جدول الماء السفلي «في ولاية جورجيا حيث توجد مزرعة أسرتي. لقد تم ترحيل هؤلاء الهنود الحمر إلى ولاية أوكلاهوما من خلال ما عرف باسم «طريق الدموع» حتى يفسحوا المكان لجدودنا البيض.»!!

لا غرابة إذن أن تنشأ خلافات بينه وبين شريكه في السلام مناحيم بيغن في تطبيق بنود اتفاقية كامب ديفيد التي رعاها بشكل شخصي والتي جاءت كثمرة لزيارة السادات إلى القدس، تلك الخلافات التي جعلت من علاقتيهما علاقة رسمية باردة.

«وبينما كان يجلس معي دون أن ينظر إلى «- يتذكر كارتر آخر لقاء له مع بيغن في العام 1983- «شرحت له سبب اعتقادنا بأنه لم يحترم الالتزام الذي تعهد به خلال مفاوضات السلام..» يضيف: «توقفت للحظة متوقعاً منه أن يقدم تفسيراته..

لكنه رد بلا مبالاة وبكلمات قليلة روتينية تنقصها الحماسة مظهراً بوضوح أن المناقشة قد انتهت.»!! «لقد كنا نجلس في غرفة قليلة الأثاث في الدور الأرضي لمبني الكنيست »- يواصل كارتر باستهجان- «وكان نقاشنا بارداً ومتباعداً وغير منتج.»!!

ومن المؤكد أن بيغن كان يسخر في قرارة نفسه من دروس كارتر الأخلاقية التي كان يلقيها عليه والتي ضرب أجداده عرض الحائط بها!!

«كان لهذا الحلم أن يتحقق » ـ وهو أن تنعم إسرائيل بالسلام - «لو أن إسرائيل التزمت باتفاقيات كامب ديفيد.» هكذا يضع كارتر اللوم على إسرائيل في ما وصلت إليه الأمور.

ويؤكد أن «أفعال بعض قادة إسرائيل تتعارض بطريقة مباشرة مع السياسات الرسمية للولايات المتحدة والمجتمع الدولي والمفاوضات التي تم الاتفاق عليها»...لأنها - والحديث لكارترـ «استمرت في تحكمها واستعمارها لأراضي فلسطينية.. و«هي كانت «العقبة الرئيسية لاتفاق سلام شامل في الأراضي المقدسة.»!!

ويرجع كارتر تباطؤ الحماس لدى الإسرائيليين لمواصلة عملية السلام لأسباب ثلاثة: أولها «الأمان النسبي الذي حصلوا عليه من الحائط (الذي يسميه في مواضع عدة حائط الفصل العنصري) والذي يفصلهم عما تبقى من الضفة الغربية وغزة.

ثانيها، «التسامح معها من قبل أعضاء الكونغرس الأميركي وساكن البيت الأبيض، الذين اتصفوا بالاستسلام خلال السنوات الأخيرة، فضلاً عن الاحترام المذل من قبل القادة الدوليين الذين يسمحون لهذه السياسة الأميركية غير الرسمية أن تنتصر.

» أما ثالثها فهو ما نسميه عندنا «باللوبي الصهيوني «ويسميها هو» بالقوى السياسية والاقتصادية الضخمة في الولايات المتحدة «حيث تعمل على «عدم التشكيك إلا نادراً في قرارات الحكومة الإسرائيلية أو إدانتها».

وبكلمات قوية وصريحة يواصل: «إن الأصوات القادمة من القدس هي التي تسيطر على إعلامنا، في حين أن معظم الأميركيين يجهلون الأوضاع السائدة في الأراضي المحتلة.»!!

ويقر جيمي كارتر بأن الفلسطينيين عملوا كل ما يتوجب عليهم من أجل السلام منذ أيام ياسر عرفات من قبيل الاعتراف بحق وجود إسرائيل، وتغيير ميثاق منظمة التحرير الفلسطينية، وقبولهم «بخارطة الطريق»، وحتى حماس ـ التي هي في قائمة الإرهاب عند الأميركان ـ فإن كارتر يورد تصريح زعيمها إسماعيل هنية الذي يفيد باعتراف ضمني بإسرائيل.

في مقابل ذلك، قررت إسرائيل «أن تتجنب أي مفاوضات تهدف إلى تحقيق السلام » - والحديث لرئيس أميركي وليس لمتحمس فلسطيني - «وقامت حتى بالتهرب من القيود الأميركية الطفيفة الموضوعة عليها عن طريق إجراءات من جانب واحد، حتى باتت تستقطع لنفسها أفضل الأراضي في الضفة الغربية تاركة الفلسطينيين المعدمين في بقعة صغيرة ممزقة إلى شظايا متباعدة.»!!

كاتب كويتي

alyusefi@hotmail.com