فجأة نسمع النبأ الحزين برحيل آخر الراحلين من الذين كانوا يوما ملء الأسماع والأبصار سواء بمواقفهم المعبرة عن ضمير شعوبهم أو بمواقعهم المؤثرة في مصائر أوطانهم، ومن الذين أثروا الحياة العامة بعلمهم وجهادهم أو بفكرهم وكفاحهم طلبا للحياة الحرة الكريمة لكل إنسان، ودفاعا عن قضايا الحق والعدل والحرية في كل الأوطان، فنشرع بالبكاء عليهم وكأنما نبكي على أنفسنا.

بالأمس القريب انضم إلى موكب الخالدين العالم الجليل والمناضل النبيل الدكتور عبد الوهاب المسيري بعد رحلة حافلة من العلم والعمل ومن الفكر والنضال، وبعد صراع طويل مع المرض لسبع سنوات لم تهن فيها عزيمته لآخر لحظات حياته في النضال بالفكر والعمل الجماهيري، مخلفا وراءه من الموسوعات النافعة والمواقف الساطعة ما يبقى ذكراه خالدة في ذاكرة وطنه وأمته، مثلما سبقه الكثيرون من الزعماء النبلاء والعلماء الأجلاء إلى دار الخلود.

والحقيقة الكبرى أنه ليس لبشر فوق الأرض من خلود، فكلنا لابد يوما من الولوج تحت الأرض إلى اللحود.. ولا يبقى خالدا من البشر إلا رصيد ما علِموا وعلَموا ما ينفع الناس، وإلا حصاد ما عملوا بما تعلموا نفعا لأنفسهم. في المرة الوحيدة التي التقيته فيها كانت في الإمارات ولم تكن في مصر.

وبالتحديد في رحاب جامعتها المتميزة، حيث دعي لإلقاء محاضرة بعنوان «بين الدين اليهودي والفكر الصهيوني» وهو أفضل من يحاضر الأساتذة في موضوع استغرق بحثه فيه 25 عاما ليصدر بعدها موسوعته الكبرى بعنوان «اليهود واليهودية والصهيونية: نموذج تفسيري جديد» في ثمانية مجلدات بالإضافة لرصيد من الكتب الفكرية والحضارية والأدبية والفلسفية أهمها: العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة (جزأين)، إشكالية التحيز: رؤية معرفية ودعوة للاجتهاد (سبعة أجزاء).

كما صدر له ديوان شعر بعنوان أغاني الخبرة والحيرة والبراءة: سيرة شعرية. كما نشر الدكتور المسيري عدة قصص وديوان شعر للأطفال.

وبينما يتساوى الناس جميعا على اختلاف دياناتهم وقومياتهم وأيديولوجياتهم في موكب الموت المهيب، بلا استثناء ولا تمييز، وفي توقيتات الكتاب بلا تقديم ولا تأخير ولا وساطة ولا محسوبية،.. فلا يتساوى الأخيار والأشرار، والعلماء والجهلاء، والظالمون والمظلومون، والمناضلون والمتخاذلون، ثوابا أو عقابا بميزان عدالة السماء.

وإذ ليس هناك ما هو أهم للأمم الحية من الحفاظ على أرصدتها الإنسانية، ولا أكرم من حفظ قيمة أعلامها الروحية والعلمية، والقومية والوطنية، في سعيها لاستعادة مكانتها الحضارية بين الأمم، فإن الأهم هو الحفاظ أكثر على أرصدتها ورموزها الحية قبل الرحيل.

فربما لم يخطئ كثيرا من قال لأمة تبكي على عظمائها بعد رحيلهم، ولم تمنعهم من البكاء على واقعهم في حياتهم «إذا أردت أن تكرم فمت».. ولا أظن أنه كان بهذه المقولة يقدم لنا دعوة للموت الكريم بل دعوة لتكريم الحياة.

فقد نبدو أمة تحفل بالموت أكثر مما تحفل بالحياة، فتحتفل برموزها وأعلامها وعلمائها ومفكريها،وشهدائها ومناضليها بعد وفاتهم بأكثر مما تحتفي بهم وتكرمهم في حياتهم، إن كانت تحفل بهم أصلا.. والواقع أن أمة بهذا السلوك إنما تطفئ مصابيحها المضيئة على طريق حياتها فتفقد قدرتها على رؤية معالم طريقها إلى النور والتقدم.

mamdoh77t@hotmail.come