بعد أن نجحت الولايات المتحدة في الضغط على كوريا الشمالية لتجميد برنامجها النووي، ونجاحها في استيعاب ليبيا بعد تخليها عن برنامجها النووي، وتراجع قوة كوبا بعد تقاعد زعيمها الثوري فيدل كاسترو من الحكم، وبعد قضائها على نظام حكم طالبان في أفغانستان وكذلك على نظام صدام حسين في العراق، ودمج فيتنام الهادئ في الاقتصاد العالمي.
ومحاصرة نظام بورما في عقر داره، والتقليل من شأن خطورة نظام شافيز في فنزويلا، والضغط على نظام موغابي في زيمبابوي، وإمكانيتها على تحييد نظام الأسد في سوريا عن طريق دعمها للمحادثات بين دمشق وتل أبيب بعد ذلك كله لم يبق أمام الولايات المتحدة سوى إيران الإسلامية التي تراها واشنطن كآخر قلعة باقية من قلاع التحدي للولايات المتحدة ومخططاتها العالمية.
إيران اليوم هي آخر قلاع التحدي للولايات المتحدة وسياساتها في العالم وخاصة في منطقة الشرق الأوسط حيث إن الوجود الأميركي أصبح يواجه منافسة قوية من جراء التوغل الإيراني في المنطقة.
فما من دولة في العالم تقف بشكل علني وصريح موقف الند للند للولايات المتحدة قدر ما تقف إيران؛ فالرئيس الإيراني هو ربما الرئيس الوحيد في العالم الذي يهدد بضرب الولايات المتحدة ومصالحها إذا ما تعرضت إيران إلى هجوم عسكري، وما من صحف في العالم تنتقد الولايات المتحدة بشكل علني ومباشر كما تنتقدها الصحف الإيرانية، ومن من شعب معبأ ضد الولايات المتحدة وسياساتها قدر تعبئة الشعب الإيراني.
المتابعون بالطبع يجعلون سياسة الولايات المتحدة على أنها السبب المباشر وراء مثل هذا العداء الإيراني للولايات المتحدة؛ فسجل التدخل الأميركي في إيران واضح منذ الإطاحة بحكم رئيس الوزراء الإيراني الأسبق الدكتور محمد مصدق.
ووقوف الولايات المتحدة ضد حكم الإسلاميين في إيران منذ مجيئهم إلى السلطة وسعيها لتغيير النظام السياسي الإسلامي في إيران من خلال دعمها للعراق في حربه على إيران ومساندتها لقوى المعارضة الإيرانية في الخارج والداخل وفي المسعى الأميركي للوقوف ضد حق إيران في امتلاك الطاقة النووية، هذه جميعها أمور أججت العداء الإيراني للولايات المتحدة.
إيران من جهتها تريد أن تخلق لنفسها قوةً تستطيع من خلالها أن توازن - قدر المستطاع - تلك السياسة الأميركية الساعية لمواجهة النظام السياسي الإسلامي الإيراني وتغيره. فمؤشر القلق والخوف الإيراني يتزايد يوما بعد يوم منذ أن تواجدت الولايات المتحدة عسكرياً وبشكل مكثف في المناطق الجغرافية المحاذية لإيران.
فالتواجد الأميركي في أفغانستان واحتلالها للعراق مع تواجدها العسكري في دول منطقة الخليج العربي زاد الخناق على النظام الحاكم في إيران وجعله يشعر بخطورة الوضع لاسيما ان الولايات المتحدة تحمل في مخططاتها سياسة مواجهة النظام السياسي الإيراني والإطاحة به باعتباره نظاما يدعم الإرهاب - كما يقول الأميركيون - ولا يحترم الحقوق المدنية والسياسية لمواطنيه؛ فما من خطاب للرئيس الأميركي الحالي على أقل تقدير إلا ويحمل في طياته دعوةً إلى الإيرانيين بأنهم يستحقون حكومة غير هذه الحكومة.
لذلك فقد وجد النظام السياسي الإيراني نفسه أمام وضع أصبح فيه مجبراً على اتباع سياسة متشددة من أجل احتواء النفوذ الأميركي ومنعه من تحقيق هدفه في تغيير النظام السياسي الحاكم في إيران.
لذلك فإن التعامل الأميركي مع إيران والمتمثل في التهديد بالعمل على تغيير النظام السياسي الحاكم في إيران لهو محرك أساسي لحالة التوتر الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران هذه الأيام. ولعلنا نستذكر بأن هذه الحالة كانت موجودة في السابق في سياسة الولايات المتحدة تجاه كوريا الشمالية حيث إن الولايات المتحدة كانت مصرة على تغيير النظام السياسي الحاكم في كوريا الشمالية باعتبار أنه السبيل الأمثل - في اعتقاد واشنطن- لتحقيق الأمن والاستقرار في منطقة شرق آسيا، لكن تلك السياسية أثبتت خطأها وعدم جدواها .
حيث إن نظام كوريا الشمالية السياسي قابل تلك السياسة بسياسة متشددة في مجال إنتاج القنبلة النووية وهو ما نجح في تحقيقه؛ ولم تتغير السياسة الكورية الشمالية إلا بعد أن تغيرت السياسة الخارجية الأميركية تجاه كوريا الشمالية من التركيز على تغيير النظام الكوري الشمالي إلى سياسة التعامل معه، وهو ما جعل الولايات المتحدة تنجح في محاولاتها الدبلوماسية في وقف البرنامج النووي الكوري الشمالي.
والولايات المتحدة تعيش اليوم ذات الأمر مع إيران. فإيران اليوم تواجه تهديدات الولايات المتحدة بتغيير النظام السياسي الإيراني بالتشدد في ملفها النووي، ولا غرابة أن تظهر علينا إيران غداً معلنةً إجراء تجربة لقنبلة نووية تضع ليس فقط الولايات المتحدة بل العالم بأسره أمام الأمر الواقع.
السياسة الأميركية المطلوبة في التعامل مع إيران وتشددها في الملف النووي يجب أن تقوم على أساس التركيز على الملف النووي والابتعاد عن النظام السياسي الإيراني والتهديد بتغييره. وهذا الأمر يتطلب انخراطا أميركيا مباشرا مع الدول الفاعلة في النظام الدولي وإيران بالإضافة إلى مجلس التعاون الخليجي في محادثات مباشرة شبيهه بالمحادثات السداسية مع كوريا الشمالية. فخلق الثقة بين الأطراف لا بد وان يأتي قبل التوصل إلى اتفاق.
وعندها إذا لم تلتزم إيران بالمساعي الدولية الإيجابية التي تسعى جميع الدول الفاعلة التوصل إليها معها عندها يمكن الحديث عن ترتيبات من نوع آخر، أما المواجهة والتهديد بها وإن كانت في مرحلة من المراحل لا مناص منها إلا أنها لا يمكن أن تؤدي إلى حل الأمور بشكل جذري وإنما ستؤدي أكثر ما تؤدي إلى تأزم الأمور وتعقيدها أو إلى تأجيل وضع ما من أن يحدث، تماماً كأخذ المسكنات من اجل إزالة الألم ولكن دون معالجة للمرض. فيا ترى كيف ستقرر الولايات المتحدة مواجهة آخر قلاع التحدي؟
