في ندوة الحوار الوطني التي يقيمها مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني ضمن واحدة من مشروعات التطوير والتنمية وفتح باب الحوار بين فئات المجتمع، يجتمع كل عام من يرشحهم المركز من الأكاديميين والكتاب والصحفيين والمعلمين والتربويين ويتم اختيار موضوع من موضوعات التنمية كتطوير المناهج والحوار مع الآخر، في إحدى الدورات شاركت مجموعة من المتحاورين في ندوة بعنوان «الحوار مع الآخر».
وكان المقصود بهذا الآخر الذي تم التحفظ على تعريفه بوضوح، هو المختلف معنا دينيا، كان الحوار يدور حول كيفية تطوير مفهوم الحوار مع الآخر،وقبوله، واحترام حقوقه، كان بعض المتحاورين يضيق بهذا الاختلاف ويرفضه ويبرر خروجه ويكفره وإن لم يكن هذا الاختلاف سوى خلاف مذهبي أو فكري، فقد كان المختلفون معنا ضد احترام التنوع الطائفي مع أناس ولدوا معنا على نفس الأرض.
وفي نفس الثقافة ولهم حقوق المواطنة الكاملة التي لنا ويساهمون معنا في تنمية المجتمع كأطباء ومهندسين وتربويين ورجال أعمال، ومع أن هذا التنوع المذهبي قد أقره مؤتمر العالم الإسلامي ضمن القبول بثمانية مذاهب إسلامية، لكنهم حملوا على من خرج عن مذهبهم الواحد وحملوا على اختلافنا الفكري معهم الذي يقبل هؤلاء .!
خرجنا بعد هذا الحوار وقد حمل علينا من حمل وفي صبيحة اليوم التالي خرج بعض الصحافيين يتهمون موقفنا النقدي بأنه تحامل على الوطن، وأننا نشوه المجتمع، ناسين أن من يشوه المجتمع هو من يدعو للبغضاء ومن يجمله هو الداعي للحب!
هكذا يتم تكريس صورة الحوار النقدي الذي يتلمس الخطأ،ويدل الناس إليه، ويسأل المختصون مراقبته ودراسته ومعالجته ومن ثم تعديله أو التخلص منه، إلا أننا نحن العرب لدينا اتجاه خاص في التفكير لمعالجة الأخطاء، فنحن لسنا من أخطأ،ولسنا من تسبب بهذا الخطأ، وليست من مسؤوليتنا علاجه.
ولن نسمح لأحد أن يتهمنا به إذا ما رآه، بل ومع الأيام تتحول عيوبنا لمزايا، تماما مثلما حدث لنا مع صفة الخصوصية، فصرنا نسحب تعريف الخصوصية على كل أخطائنا فنحن لا نحترم العمل المهني لأننا مجتمع له خصوصية،ولا نصلح للانتخابات لأن لدينا خصوصية ولا تصلح لنا الديمقراطية لأننا مجتمع له خصوصية، ومخرجات التعليم لا تناسب سوق عملنا بسبب خصوصيتنا.
ولا نعطي النساء والأطفال حقوقهم بسبب خصوصيتنا، فضاعت الخصوصية في الخصوصية، وعلى صحافتنا وكتابنا أن يفهموا هذا ويحترموه، وإن خالفوه أو تعلموا غيره بحسب الفطرة السليمة أو في مسيرة تعليم متقدمة فإنهم مخربون، ناقصو الوطنية، بل وأحيانا يزيد الشك فيهم فيصبحون احد اثنين إما كفره أو عملاء للأمريكان.
لو قدر لك أن تقرأ صحافة هؤلاء الأمريكان لوجدت العجب فأستاذة القانون في مركز دراسات القانون بجامعة جورج تاون الأميركية روزا بروكس، تنشر مقالا في التايمز وواشنطن بوست، تتهم فيه الرئيس بوش بأنه السبب في زيادة أسعار البترول اليوم،.
والصحافة في فرنسا تتهم ساركوزي بأنه معاد للحقوق الإنسانية وتغلو في نقده حتى تظن أنهم يتحدثون عن صدام حسين في عز ديكتاتوريته، و يخرج موظف في وزارة الدفاع الأميركية يؤلف كتابا بعد استقالته، ويعزو فشل الحرب على العراق لأن الصحافة في أميركا لينة ولم تمارس دورها الصارم في النقد لتوجيه أخطاء إدارة بوش!
أدين بوش وإدارته في الصحافة الأميركية حتى لم يبق إلا ذنبا واحدا لم يرتكبه في العالم وهو خرق الأوزون، وأتهم ساركوزي بالرفاهية لأنه يلبس نظارات ريبان وساعة رولكس،ولم تسامح الصحافة الأمير فيليب زوج ملكة انجلترا واتهمته بالعنصرية عندما مزح في زيارته لأحد المصانع ورأى صندوقا لا يعمل فقال مازحا: لاشك أن من ركبه هندي!!
ومع هذا يقولون إن صحافتهم لينة ولا تمارس دورها الصارم في النقد، أولبرايت ألفت كتابا للرئيس الأميركي الجديد حملت فيه مسؤولية الفشل في الحرب على العراق لبوش، ستقولون ومن غيره مسؤول؟ أقول: وماذا لو كنا نحن محل الإدارة الأميركية كنا سنقول لسنا المسؤولون.!
إيران مسؤولة وسوريا مسؤولة وتركيا مسؤولة والقاعدة مسؤولة وسياسة العرب المتخاذلة مسؤولة،أما الأمريكان فيقولون: من السهل محاكمة أخطاء الآخرين لكن الصعب أن تدرك أخطاءك! و أضيف إذا رأيت أحدا يتهم آخرين فتأكد أنه شخصا لا يريد أن يعمل، وإذا رأيت أحدا يحاسب نفسه فأعرف أنه لا يريد إلا أن يعمل.
