أصبح العراق ينعم بالأمان أكثر من أي وقت مضى بالموازاة مع عودة التوافق للساحة السياسية بعودة جبهة التوافق إلى الحكومة، ما يؤشر على أن عملية المصالحة الوطنية بين الفرقاء السياسيين قد تحققت تقريباً، وأن العراق أصبح الآن في وضع أفضل للتفاوض حول الاتفاقية الأمنية طويلة الأمد مع الأميركيين وتكريس عراق ديمقراطي موحد.

ويشعر المواطنون في العاصمة العراقية بغداد بتحسن الوضع الأمني بعد أعوام بدت خلالها بغداد تعاني من أزمة أمنية لا نهاية لها. وبينما كانت الحوادث الأمنية التي تسجل تتخطى الألف أسبوعيا، فإن عدد هذه الحوادث انخفض اليوم وفقا للأميركيين، إلى أدنى معدل له منذ الغزو وبالتحديد، فقد شهد الشهر الماضي تراجعا قياسيا لعدد القتلى والعمليات التفجيرية، مما يؤكد نجاح الخطة الأمنية المنتهجة في انتظار تسلم العراق الملف الأمني كليا من الأميركيين.

ويعزى سبب تحسن الوضع في بغداد إلى تراكم عدة عوامل منها، المبادرات المحلية المتكررة في مجال الأمن والاقتصاد، وتقدم المصالحة السياسية، إضافة إلى تحسن أداء القوات العراقية وبدء الشركات الأجنبية بالاهتمام بالاقتصاد العراقي، وخاصة في المجال النفطي حتى ولو كان هذا الاهتمام لا يزال في بدايته.

عودة جبهة التوافق إلى صفوف الحكومة سوف تكون مسألة هامة بلا ريب ان كانت مصحوبة بإعادة التوافق السياسي للحكومة العراقية من أجل التمهيد لصناعة وتشكيل رؤية شاملة تحدد مسارات بناء الدولة العراقية، وأسسها الفعلية القائمة على أساس التوافق الذي من المفترض ان يكون موجوداً بين الإرادات السياسية في مواجهة أطماع الاحتلال، والحفاظ على وحدة الوطن حتى لا يكون بقاء قوات التحالف هدفاً في حد ذاته بل وسيلة لدعم العراقيين ومساعدة العراق للوقوف على قدميه وبناء مؤسساته.

وتكمن الاستراتيجية المرتقبة في إحداث توافق وطني عراقي بالابتعاد عن المحاصصة الطائفية وتعزيز قوات الأمن العراقية، وإقامة علاقات جيدة مع دول الجوار، ومراجعة مشاريع إعادة الإعمار وإنجاح الانتخابات العراقية المقررة في الخريف المقبل.

والتوازن المطلوب في المرحلة المقبلة يكمن في الاتفاق على أولى خطوات ليس وقف الاقتتال المذهبي فحسب، بل تحريمه شرعاً وتجريمه قانوناً، لأن ما حدث طيلة السنوات الماضية كان ولا يزال مأساة وطنية واجتماعية وإنسانية بالدرجة الأولى. وجهد من هذا النوع يمكن له أن يحقق الكثير إذا تم على أثره خلق جبهة موحدة ضد الإرهاب الذي يتجلبب برداء طائفي.

والعراقيون هم الآن على السكة الصحيحة باتجاه إيجاد فعل ديمقراطي حقيقي على أرض الواقع، وذلك أن من أهم أُسس العملية الديمقراطية هو اختبارها كممارسة على أرض الواقع لإبعاد شبح المحاصصة الطائفية.