تقدم إسرائيل في كل مناسبة وسانحة دليلا جديدا على عدم استعدادها للسلام بل وعدم استعدادها للالتزام بالمواثيق الدولية ، خاصة تلك التي تحمي المدنيين اثناء الحرب ومنهم الاطفال والنساء على نحو اكثر خصوصية.
والاجراء الذي يتم الترتيب له والمتمثل في هدم منزل منذ عملية القدس الاخيرة مستخدما جرافة ، هو شكل من اشكال الغرور الاسرائيلي الذي لا يتوقف فاذا كان منفذ العملية قد لقي مصرعه في موقع العملية ، فما ذنب المنزل الذي كان يسكنه ، وما ذنب ساكنيه من اسرة المنفذ ، حين يجدون انفسهم في العراء كشكل من اشكال العقاب الجماعي الذي تصر اسرائيل على تنفيذه دون خجل .
ومع أنه لم يقدم للاسرائيليين حلا لمسألة الهجمات في العمق الاسرائيلي ، إلا انه يبقى الخيار المفضل لدى الاسرائيليين ، لا لأنه اجراء عقابي فحسب ، ولكن الاخطر أنه (اي هدم المنازل) يشكل جزءا من مخطط اكبر لتهويد الاراضي والمدن الفلسطينية وبخاصة مدينة القدس ، فالهدم قائم على قدم وساق حتى حين يتوقف الفلسطينيون عن تنفيذ عمليات .
وقد سعت قوات الاحتلال الاسرائيلي مؤخرا إلى نسف اتفاق التهدئة قبل أن يجف حبره ، ولم تكن عملية القدس قد تم تنفيذها بعد ، ثم عادت لاغلاق المعابر للتضييق على الفلسطينيين ودفعهم إلى اليأس والتمرد على الحصار والاندفاع في مزيد من العمليات الشبيهة بعملية القدس .
فهذه العملية بما تضمنت من وقائع وأدوات للمقاومة تدل على أن جعبة الفلسطينيين مازالت حبلى بالكثير الكثير من الادوات التي لا تخطر للاسرائيليين على بال ، فالمقاومة ليست فقط سلاحا أو صواريخ او قذائف ، بدائية كانت أو متطورة ، انما أية أداة أو آلة أو حتى حجر ، يمكن أن تتحول إلى وسيلة للمقاومة مهما هدمت اسرائيل من منازل ومهما شردت من اسر فلسطينية ، لأن هدف اسرائيل الاول هو تأزيم الواقع الفلسطيني وتخريب اية محاولة لالتماس سبل الحل السلمي التفاوضي للصراع العربي الاسرائيلي .
ورغم أن اسرائيل وضعت جنديا مخطوفا لدى حماس على قائمة أولوياتها التفاوضية رغم انها مسألة فرعية إلا انها بمجرد أن شعرت أن المفاوضات تسير في طريقها الصحيح ، وأن حماس أعلنت تمسكها بالتهدئة رغم الاعتداءات الاسرائيلية ، إلا ان قوات الاحتلال لجأت إلى وسائل شتى لنسف التهدئة حتى لا تستمر المفاوضات إلى نهايتها .
لأن مناخ الصراع هو البيئة الطبيعية لبقاء اسرائيل واستمرارها في تنفيذ مخططاتها الاستعمارية ، في ظل أجواء دائمة الاحتقان .
واذا كانت اسرائيل قد نجحت حتى الآن في تعطيل مسيرة السلام ، فانها بالقطع قد خسرت كثيرا في الميزان الاستراتيجي والديموجرافي ، ويكفي الاشارة إلى تصريحات قائد سلاح الجو الاسرائيلي السابق اتيان بن إلياهو الذي يتوقع سقوط 300 صاروخ بعيد المدى وخمسة آلاف قصير المدى على اسرائيل مع اندلاع أي حرب مقبلة ضد أعداء اسرائيل التقليديين .
ومهما توغلت اسرائيل في اعتداءاتها فلن يتنازل العرب عن شبر من أراضيهم ، وها هي الشواهد اليومية داخل الاراضي المحتلة وخارجها تؤكد هذه الحقيقة ،حقيقة اتساع الجبهات التي ينتظر ان تخوض اسرائيل المعارك عليها إذا ما استمرت في نهجها العدواني وان غدا لناظره قريب .
