أوروبا هي الجار والشريك للعرب، لكن هذا الجار، لم يكن دائماً جاراً صالحاً حريصاً على جيرانه، يعمل على مراعاة «حق الجيرة»، كما نعرفها نحن في الوطن العربي. كما أنه لم يكن الشريك المخلص الذي يتعامل مع شريكه معاملة أنداد وأصحاب مصالح متبادلة، ويقتسم معه المغانم!.
تاريخ طويل، لا نريد الدخول في متاهاته، يربط الجارين العربي والاوروبي، فيه من المرارة أكثر مما فيه من الحلاوة، كان العرب بشكل شبه دائم هم الخاسرون.
منذ الإسكندر المقدوني، إلى حملات الفرنجة، ومن فتح الأندلس، إلى سقوط القسطنطينية، كانت العلاقات بين ضفتي المتوسط تتسم بالحروب والغزوات في أغلب الأحيان، والتبادل الاقتصادي والتجاري والعلمي وغيره في بعض الأحايين. وهكذا صار هناك تاريخ عريض، يرويه كل طرف من وجهة نظر وطنية أو قومية، وربما عرقية وعنصرية أحياناً.
اليوم، ينظر العرب إلى أوروبا ، على أنها شريك اقتصادي هام جداً، وينظر الأوروبيون إلى الوطن العربي، على أنه سوق لبضاعته، ومنجم للثروات التي هي تحت الأرض وفوقها، على حدّ سواء، وقلّما ينظر الأوروبيون إلى الدول العربية نظرة الند للند على مدى هذا التاريخ.
لسنا في وارد العتب، فنحن كعرب، كنا ولا نزال نرغب بأفضل العلاقات مع جارنا الكبير، ونريد له أن يلعب دوره كجار وشريك وصاحب مصلحة في أمن واستقرار المنطقة.
نريد أن نشير إلى مقولة التصقت بألمانيا عقب الحرب العالمية الثانية، وهي أنها عملاق اقتصادي وقزم سياسي ودودة أرض في المجال العسكري. هذه المقولة، انسحبت فيما بعد، خاصة بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، على أوروبا بكاملها. وهناك أكثر من مسؤول أوروبي قالها على الملأ تعبيراً منه عن عدم رضاه وغضبه من الدور الذي تلعبه أوروبا على الساحة الدولية، بعد أن سطت الإدارات الأميركية - وخاصة إدارة الرئيس جورج بوش - على القرار الدولي، محاولة تسويق نظرية القطبية الأحادية.
لا ننكر أن الولايات المتحدة وظفت كل ما تملك من قوة، بما فيها الجيوش والأساطيل لفرض إرادتها على العالم، وهذا ما جعل الدور الأوروبي يتراجع كثيراً، إضافة إلى أن العديد من دول أوروبا ربطت سياستها بالسياسة الأميركية.
لكن ذلك لن يستمر طويلاً، بل ها هي المؤشرات في أكثرمن دولة أوروبية، تؤكد أن هناك محاولات جادة للخروج من العباءة الأميركية، واتخاذ مواقف وانتهاج سياسات تلبي المصالح الوطنية لهذه الدولة الأوروبية أو تلك، ومصالح القارة الأوروبية بشكل عام، إضافة إلى أن هذه الدول باتت تكتشف الأخطاء الجسيمة التي ترتكبها الإدارة الأميركية على الساحة الدولية، والتي تسيء للشعوب وللأميركيين أنفسهم، وحتى - وهذا الأهم- للحكومات الأوروبية التي ربطت سياساتها بالبيت الأبيض، وارتضت لنفسها أن تكون تابعاً، وخير مثال ما جرى في إسبانيا عندما أسقط الإسبانيون حكومة أثنار، لأنها سارت بركب السياسة الأميركية وتجاهلت إرادتهم.
اليوم، هناك أجواء إيجابية، في العديد من العواصم الأوروبية بدءاً من باريس، إلى أوسلو، إلى روما ، وغيرها، تشير إلى أن الأوروبيين باتوا أقرب إلى رؤية حقيقة الموقف العربي وعدالة القضية العربية، وقد سمعنا بالأمس، تصريحات وزير الخارجية الإيطالي، وقبله تصريحات وزير الخارجية النرويجي من دمشق، وقبلهما ما قاله الرئيس الفرنسي في الكنيست، فهو، وإن أكد أنه صديق لإسرائيل، إلاّ أنه تناول موضوعات أثارت استياء معظم الإسرائيليين، وخاصة اليمين المتطرف، ومنها قضية الاستيطان.
العرب يريدون أن تكون أوروبا عملاقاً اقتصادياً، وعملاقاً سياسياً أيضاً، لأن المصلحة المشتركة لحوض المتوسط تتطلب أن يكون هناك دور أوروبي قوي يحقق الأمن والاستقرار لهذا الحوض كي تنتقل منطقة الشرق الأوسط من واقع التوتر والحروب والنزاعات إلى شواطىء الأمن والسلام والازدهار، وأن يصبح الأوروبيون جيران العرب الحريصين على مصالحهم المشتركة وشركاءهم في الأمن والسلام والاقتصاد والتجارة وغيرها.
أوروبا قادرة على أن تكون عملاقاً سياسياً ، إذا ما تحررت بعض عواصمها من القيد الأميركي، ومن السياسة الأنانية للإدارات الأميركية، التي لا ترى إلا مصالحها الخاصة، ومستعدة للتضحية بأي صديق أو شريك أو حليف، عندما تتعرض مصالحها الضيقة للخطر.
لدينا الأمل في علاقات عربية - أوروبية بين أنداد، بما يخدم مصالح الجانبين، ويخدم قضية الأمن والاستقرار في المنطقة والعالم.
