عرفت المفكر العربي الإسلامي الراحل الدكتور عبدالوهاب المسيري منذ سنوات واقتربت منه إنسانياً وعملت معه، فوجدته قامة كبيرة في عالم الفكر، وهو في الوقت نفسه رجل شجاع لم يتردد في القيام بمراجعة فكرية كبيرة تحول فيها من الرؤية الماركسية للرؤية الإسلامية ضمن مجموعة كبيرة من المفكرين المصريين أشهرهم: طارق البشري ومحمد عمارة ومحمد جلال كشك.

وفي كتاب ضخم يصدر قريباً يضم حوارات معه يكشف المسيري عن جوانب من حياته لم يضمنها كتابيه «سيرة غير ذاتية غير موضوعية» و«رحلتي الفكرية: في البذور والجذور والثمر» وأهمها في تقديري المتواضع عبارتان توقفت أمامهما طويلا، في أولى العبارتين يقر المسيري بأن جيله على قناعة الآن بأن رهانه على الدولة المركزية والحاكم القوي كطريق للتحديث كان خطأ.

وهي مراجعة لا تقل أهمية عن مراجعته إزاء الماركسية وإن كان قد تأخر طويلا في إعلان هذه المراجعة، وفي العبارة الثانية يشير المسيري إلى مراجعة أخرى هي الاقتناع بالأهمية المتزايدة للديمقراطية. المراجعتان لهما أهمية آنية استثنائية، ففي ظل وجود مطالبات داخلية بالديمقراطية لا تقتصر القوى المعارضة لهذه المطالبة على الأنظمة الحاكمة بل تواجه هذه المطالبات معارضة من شرائح من المثقفين العرب، فبعضهم يرى الديمقراطية وهما، وبعض ثان يراها فخا أميركيا صهيونيا! وبعض ثالث يراها ألعوبة رأسمالية!

وهؤلاء ـ سواء أدركوا أو لم يدكوا ـ يشكلون عقبة حقيقية أمام المستقبل العربي. وعندما تصدر هذه المراجعة من مفكر في حجم عبدالوهاب المسيري ـ فضلاً عن موقعه في حركة «كفاية» المصرية ـ فأنها تستحق التوقف، والتغيير يبدأ بتغيير القناعات ومن ثم الخطاب السياسي قبل أن تتغير الممارسات في نهاية الشوط.

وقد كان من سوء الحظ أن تؤدي المطالبات والمخططات الغربية وبخاصة الأميركية بالتغيير الديمقراطي في العالم العربي إلى ارتفاع غير مسبوق في أصوات رافضي الديمقراطية، سواء من يربطونها بشكل شرطي بحل المشكلة الفلسطينية، أو من يرفعون شعار أن الديمقراطية الاجتماعية تسبق الديمقراطية السياسية، أو من يؤكدون أن الديمقراطية يجب تكييفها وفق شروط «الخصوصية الحضارية».

أو من يقسمون بأغلظ الأيمان أن الديمقراطية تهديد للأمن القومي! وعندما تترسخ فكرة أن الديمقراطية شرط لازم لبناء عالم عربي أفضل فمن المؤكد أن أشياء كثيرة ستتغير، والاقتصار على التركيز على العطاء الثري الذي قدمه المسيري في مجال دراسات الظاهرة الصهيونية يظلم الرجل ظلما بينا. رحم الله المسيري وأسكنه فسيح جناته.

كاتب مصري

mmshikh@hotmail.com