أزمة التصريحات المتضاربة حول احتمالات توجيه ضربة إسرائيلية أو أميركية إلى إيران تستلفت الانتباه لعدة أسباب منها أن كبار المسؤولين في كل من اسرائيل والولايات المتحدة أصبحوا يتسابقون في إطلاق التصريحات المتناقضة حول كيفية التعامل مع ملف إيران النووي، فتارة نسمع رئيس اسرائيل يقول: لسنا مجانين حتى نهاجم إيران بمفردنا، وبعد ذلك نسمع مسؤولا آخر يقول بضرورة ترتيب هجوم اسرائيلي ضد المواقع النووية الإيرانية حتى لو لم يوافق الاميركيون على ذلك.
وهم يشفعون هذه التصريحات بتسريبات لأنباء عن مناورات ولقاءات مع خبراء الهجوم على المواقع النووية والتزود بالوقود في الجو بين الطائرات المهاجمة ولقاء رؤساء الأركان في كل من اسرائيل والولايات المتحدة، ثم بعد ذلك نسمع رئيس الولايات المتحدة يصرح بأن الخيار الدبلوماسي هو الأوفر حظاً للتعامل في الملف النووي ثم يردف ذلك بالعبارة المكررة إلى حد الملل: لكن كل الخيارات مطروحة على الطاولة بما في ذلك العمل العسكري، وهو ما يتبعه على الفور تهديدات وتهديدات مقابلة بإشعال المنطقة.
وحين كانت تقرر الولايات المتحدة عملا عسكرياً فإنها كانت تسبق ذلك بمساع ضخمة لاعطاء الايحاء بأنها تنسق مع حلفائها وأصدقائها من الاوروبيين والاسرائيليين على وجه الخصوص.
لكن حين يقترب الامر من منطقة الخليج نرى خلافاً لذلك مع أن علاقات الصداقة قائمة ايضا بينها وبين واشنطن، لكن تأخذ المسألة شكلاً مختلفاً، اذ يتم تجاهل آراء الدول الخليجية المعنية بأمن المنطقة والمعنية اكثر من غيرها بتأمين النسبة الاكبر من مصادر الطاقة للعالم كله وفي صدارته الولايات المتحدة الاميركية.
وسبق أن اعلنت قيادات المنطقة اكثر من مرة أن التوتر في الخليج يعرقل جهودهم لتأمين مصادر الطاقة الا أن الاميركيين لا يكترثون بذلك ويواصلون التهديدات بعمل عسكري في حالة فشل الجهود الدبلوماسية وواضح أن الجهود الدبلوماسية ليس معناها هنا التوصل إلى حلول وسط وإنما معناها أن ترضخ إيران لمطلب وقف أنشطة تخصيب اليورانيوم جملة وتفصيلاً وهو مطلب يبدو متعذراً القبول به في الوقت الراهن.
أي أن المتحدثين في الحرب وتداعياتها لا يكترثون بما يعانيه العالم اليوم من تصاعد أسعار النفط واسعار الغذاء وتصاعد العنف في العراق وافغانستان، وكل هذه الملفات مرشحة للتصاعد بشدة اذا نفذت اميركا أو اسرائيل أو كلتاهما معاً أي هجوم عسكري على إيران، وهذا يعني أن العقل يبدو غائباً والموضوعية في الطرح تبدو لا مكان لها، فقط الرغبة في فرض الرأي واستعراض العضلات اللسانية والعسكرية بغض النظر عن الويلات التي تنتظر المنطقة من جراء هذه التصريحات المثيرة للقلق حول عمل عسكري محتمل في الخليج.
فهل يكفي تصريح اميركي بأن واشنطن (لن تسمح) بتهديد إمدادات النفط في الخليج كي تهدأ الخواطر ويطمئن القلقون من هذا التجاهل المشين لمصالح بلدان المنطقة وحاجتها الضرورية للأمن حتى تستمر في رسالتها نحو التنمية وإشباع اسواق النفط التي لا تشبع؟
يبدو ان واشنطن وتل أبيب بحاجة إلى قدرات اقناعية من نوع خارق للعادة حتى لا تتكرر مآسي العراق التي ترتبت على خطأ التقديرات الأولية وإطلاق التصريحات الرنانة التي تقول:(لا تقلقوا.. كل شيء تحت السيطرة) لقد وقعت واشنطن في شر أعمالها بالعراق لأنها لم تنصت جيدا للأصوات العاقلة والمتعقلة الصادرة من دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية الأقرب والاوثق لقضايا المنطقة الأحق أن يسمع رأيها بتمعن وإنصات، ومن حق أبناء المنطقة أن يكون لهم رأي مسموع قبل أي تحرك (أهوج) من خارج المنطقة، ان توتير الخليج دليل واضح على فشل الدبلوماسية الغربية التي تدعي أنها قاطرة العمل السياسي والدبلوماسي الدولي.
