من يمعن النظر في التاريخ الاجتماعي والسياسي لمصر الحديثة، يجد أن بعض المصريين قد انتابهم، في أيام الهزائم والانكسار التي ألمت بالعرب، قنوط شديد حيال هويتهم العربية، وانسحبوا داخل أنفسهم وأحاطوها بسياج محكم من الانتماء القطري الضيق، الذي ينزع مصر من سياقها الأوسع ويقطع صلتها بتاريخها ومصالحها في آن.
ويستدعي الذهن هنا جدلا قديما، لم يصمد أمام دفع التيار الأكبر في الحياة الاجتماعية الثرية للمصريين، بمختلف شرائحهم الاجتماعية ومشاربهم الفكرية وتوجهاتهم السياسية، حول هوية مصر، التي أراد لها أحد حكامها، وهو الخديوي إسماعيل، يوما أن تكون »قطعة من أوروبا«، وتمناها طه حسين »بحرمتوسطية« وأراد لها البعض أن تجلب »الفرعونية« فقط إلى الحاضر المعيش ولا تتركها منسية في التاريخ البعيد، كرقيقة حضارية لا يمكن تجاهلها.
وسعى آخرون إلى لي عنق الشعار العظيم الذي رفعته النخبة السياسية والاجتماعية والفكرية إبان أيام الاحتلال الإنجليزي البغيض، وهو »مصر للمصريين«، ليستمر في الزمان والمكان غريبا على مفهومه المحدد الذي قصده من تبنوه، ليس له أدنى علاقة بالهدف الذي رفع من أجله.
هذا الجدل، الذي يطفو ويغوص يتأجج ويخبو بين حدود النخبة المصرية، يصادر الميول النفسية والتصورات الذهنية والأبعاد الاجتماعية بحمولاتها الدينية والعقدية، لشعب برمته لم يشك يوما في هويته العربية، ولم يجد أي داع لطرح تساؤل حول هذا الأمر، بل يعلو على جدل المثقفين ليراكم مما تنتجه قريحته، ما يؤكد توجهه الفطري نحو العروبة، متحررا من عقد النخبة المصرية وظنونها، مع أنها لم تبرح، على مدار أكثر من قرن ونصف من الزمن، المكان نفسه الذي مكث فيه الرعيل الأول من المفكرين المستنيرين والساسة الأحرار.
القريحة الشعبية المصرية تسطر توجهاتها بعفوية، لا تعرف تخطيط المثقفين ومآربهم الموزعة على مصالح ضيقة أحيانا، وتتلمس خطاها بشفافية لا تتوقف أبدا أمام نصوصهم التي يلفها الغموض وتصيبها المواربة. وهذه التوجهات تقطع أي شك حول عروبة مصر.
فالأبطال الأسطوريون الذين تحفل بهم السير الشعبية المصرية هم عرب، مثل »أبو زيد الهلالي«، و»سيف بن ذي يزن«، و»حمزة البهلوان«، و»الزير سالم«، و»ذات الهمة«. والأشخاص الذين يتخذهم أغلب المصريين قدوة ومثالا هم من عرب الجزيرة، مثل الرسول صلى الله عليه وسلم في الأخلاق والورع، وعمر بن الخطاب في العدل، وخالد بن الوليد في الشجاعة، وعمرو بن العاص في الدهاء. والممقوتون هم عرب أيضا، يتقدمهم الحجاج بن يوسف في التجبر، وأبولهب في الكفر، وعبدالله بن سلول في النفاق.
نعم لم تغفل القريحة المصرية السيرة الفرعونية، في »إزيس وأزوريس« و»كليوباترا وأنطونيو« و»عايدة«، ولم تنس حكمة »الفلاح الفصيح« أو ورع »إخناتون« المنادي بالتوحيد، لكن كل هذه الحكايات ظلت ذات طابع نخبوي، بينما غلب الطابع العربي ـ الإسلامي على القريحة الشعبية.
وبدت الفرعونية تحمل معنى سلبيا في الخطاب السياسي والديني للمسلمين المصريين وكثير من المسيحيين، فـ »الفرعونية السياسية« تعني الاستبداد، والفرعون بالمفهوم الديني يعني »المروق والتكبر«، لكنها احتفظت بجلالها في الخطاب الثقافي لترتبط بأول حضارة إنسانية لا تزال آثارها تشهد على عظمتها.
كما مزجت مصر تاريخها، وصهرت كل ثقافات الغزاة الذين مروا بها على مدار التاريخ، لتصبح وثيقة من جلد رقيق، يظهر فيها القرآن فوق الإنجيل ويعتلي الاثنان هيرودوت، وتحت الجميع يمكننا ببساطة أن نقرأ الكتابة القديمة بوضوح وجلاء.
وهناك دراسات أنثروبولوجية تؤكد أن العنصر العربي هو من أصل قاعدي واحد مشترك مع العنصر المصري الذي لا يختلف جسميا عن البدوي، كما يقول أبو سيف يوسف في كتابه المهم »الأقباط والقومية العربية«.
ولذا يصح القول إن تعريب مصر لم يغير من التجانس الأصلي لسكان البلاد، حسبما يذكر جاستون فييت في »موسوعة الإسلام«، نظرا لأن المصريين والساميين العرب ينحدرون من عرق واحد، يقول بعض الأنثروبولوجيين إنه »العرق القوقازي« الذي ينتشر أهله حول البحر المتوسط وجنوبه، وهناك من يعود به إلى »الحاميين الشرقيين« من نسل نوح عليه السلام.
كما أن الثابت تاريخيا أن العرب سكنوا مصر قبل الإسلام بكثير، فالقبائل العربية هاجرت إلى صعيد مصر وساحت في سيناء وجاءت من شمال أفريقيا إلى الصحراء الغربية، فكان للبدو مكانهم بين المصريين.
من هنا لم يكن الجدل حول الهوية ورغبة البعض في الانكفاء على الذات، يؤرق المصريين سوى في أيام المحن التي تلم بالعرب، ربما ليأس جارف من إصلاح الحال، أو شوفينية مريضة زائفة للنجاة بالنفس، أو شعور بعدم جدوى الرهان على العروبة، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.
وإذا كان هذا الجدل يتجدد الآن، في زمن »الشرق الأوسط الكبير«، ويأخذ شكلا مؤسسا تمثل في صيغة حزب سياسي أراد له أصحابه أن يولد على أكف هذه الظروف، فإنه من الواجب عدم التعامل مع مثل هذه الظواهر والتحركات بوصفها مجرد »سحابة صيف« أو هبة ريح قصيرة ضعيفة لن يكون بوسعها أن تغير مجرى النهر.
فهؤلاء الراغبون في تأسيس »حزب فرعوني« في مصر، يدقون بقوة ناقوس الخطر أمام من يصمدون خلف جدار العروبة الأخير، وهم يثبتون ـ شئنا أم أبينا ـ أن النزعة القطرية، التي ظن البعض أنها قد خمدت أو ماتت أو توارت إلى الخلف، يمكنها أن تعود بقوة إلى طرح نفسها في مصر وغيرها.
خاصة في أوقات الضعف والهوان، رامية إلى تفكك العرب أكثر إلى دول فرادى متناحرة، يسهل هضمها في »شرق أوسط كبير« أو »موسع«، حسب التعبير الأميركي الشهير وإستراتيجية المحافظين الجدد الأشهر، التي قسمت العالم العربي إلى »معتدلين« و»متطرفين« بما يخدم مصالح واشنطن في المقام الأول.
كاتب وباحث مصري
