اعتبارا من مطلع شهر يوليو 2008 وحتى نهاية هذه السنة، تتولّى فرنسا رئاسة الاتحاد الأوروبي. بعض التوضيحات الأوّلية قد تكون مفيدة. ليس هناك رئيس منتخب للاتحاد الأوروبي، وإنما تتناوب الدول الأعضاء على الرئاسة لمدة ستة أشهر.

وعندما تتولى أية دولة رئاسة الاتحاد يتولى رئيسها أو رئيس حكومتها رئاسة المجلس الأوروبي الذي ينعقد مرّتين على الأقل كل سنة، لتحديد التوجهات الكبرى للاتحاد في مختلف المجالات والتي تُلزم جميع الدول الأعضاء.

إن رئاسة الاتحاد الأوروبي ليست مجرّد منصب «فخري»، لكنها لا تعني أيضا أن فرنسا هي التي «تحكمه» وأنها تقرر بدلا من الآخرين. كل دولة تحدد «أولوياتها» خلال الأشهر الستة لمدتها «الرئاسية» وتحاول إعطاءها شرعية أوروبية. فرنسا التي تتولى اليوم رئاسة الاتحاد الأوروبي سوف يأتي «دورها» للمرة القادمة، حسب جدول التناوب المعدّ، في مطلع عام 2020.

فما هي الأولويات الفرنسية أثناء رئاستها للاتحاد الأوروبي؟

الأولويات المطروحة تبدو ذات طابع «داخلي» قبل كل شيء. فالرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي حرص على أن يتوجه للفرنسيين عبر التلفزة مساء 30 يونيو 2008، أي عشية تولي فرنسا لرئاسة الاتحاد الأوروبي، وكأنه أراد أن يقول للفرنسيين أن أولويته هي «هم» وأنه «لن يبتعد عنهم»، بل سيكون «أكثر قربا» عبر إعلانه عن سلسلة من الاجتماعات «ذات الشأن الداخلي الصرف» سيكون على رأسها شخصيا خلال الأشهر المقبلة.

الأولويات المعلنة للرئاسة الفرنسية، تخص ملفات الزراعة ـ أو ما يسمّى بالسياسة الزراعية المشتركة ـ والدفاع والطاقة والمناخ. هذه الملفات كلها، رغم أهميتها الاستراتيجية، تجري معالجتها كلها «على نار هادئة» وعلى «النَفَس الطويل».فقط هناك «ملف ساخن» واحد له أثره المباشر على الصعيد الداخلي الفرنسي، تضعه الرئاسة الفرنسية بين أولوياتها، إنه ملف «الهجرة».

ففرنسا تأمل التوصل خلال الأشهر الستة القادمة إلى «ميثاق أوروبي للهجرة»، بهذا المضمون ومهما اختلفت التسمية.

ومهما كانت الأولويات الفرنسية فإن عدة نقاط ـ تبدو للبعض أنها مخاطر ـ سوف تواجه الرئاسة الفرنسية للاتحاد الأوروبي. ولعل أولها، حسب التسلسل الزمني، الاحتجاجات التي يمكن أن تثار حول مشروع «الاتحاد من أجل المتوسط» الذي تواجهه عدة بلدان أوروبية بالتحفظ، هذا إذا لم يكن بالاعتراض.

الاحتجاجات قد تكون «مواربة» عبر انتقاد دعوة الرئيس السوري بشار الأسد لحضور احتفالات فرنسا بعيدها الوطني يوم 14 يوليو.

لكن هذه لن تكون سوى «موجة عابرة»، والدبلوماسيون الفرنسيون لا يرون في ذلك سوى مناسبة لجمع قادة حوض المتوسط بـ «أجمل صورة» منذ سنوات طويلة... والرئيس الأسد هو أحدهم.

النقطة الإشكالية الثانية تخص الموقف من المفاوضات الأوروبية مع تركيا في أفق انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي. والرئاسة الفرنسية قد تجد نفسها في موقف حرج، إذا تطور الموقف في تركيا إلى حدود إصدار المحكمة التركية العليا قرارا بمنع حزب العدالة والتنمية الحاكم من ممارسة أي نشاط سياسي.

مثل هذا القرار يراه قادة أوروبيون عديدون بمثابة «انقلاب قضائي» يرمي إلى تغيير نظام الحكم. ومن المعروف عن الرئيس ساركوزي أنه من أكثر المتحمسين لـ «عدم انضمام» تركيا إلى الاتحاد الأوروبي.

في كل الحالات سيكون على فرنسا أن تقود «سفينة أوروبا» في بحر صحوه «خادع»، على غير ما توحي به الصورة الظاهرية.

وقد كان الرئيس ساركوزي يأمل أن تكون الرياح «مؤاتية» للوصول في نهاية هذه السنة إلى تنفيذ بنود اتفاقية برشلونة الموقّعة بتاريخ 13 ديسمبر 2007، وخاصة تلك التي تنص على تزويد الاتحاد الأوروبي بـ «مؤسسات حديثة وطرق عمل يستطيع بواسطتها أن يواجه بفعالية تحديات العولمة».

كما حدد واضعوها القول. كانت «اتفاقية برشلونة» أيضا مخرجا من الأزمة الدستورية التي واجهها الاتحاد الأوروبي بعد أن قال الفرنسيون وبعدهم الهولنديون، باستفتاء شعبي، «لا» لمشروع الدستور الأوروبي.

كان ذلك عام 2005، ثم جاءت ال«لا» الأيرلندية يوم 12 يونيو الماضي، و«كأن التاريخ يعيد نفسه» لينجو من جديد أمل إقامة المؤسسات الأوروبية المنصوص عليها في اتفاقية برشلونة حيث «الإجماع» هو القاعدة بهذا الشأن.

لن يستطيع الرئيس ساركوزي، «مهندس الاتفاقية»، إذن أن يستكمل البناء الأوروبي كما تصوره. والأخطر من هذا أن الـ «لا» الأيرلندية أظهرت وجود «أزمة ثقة» بين الأغلبية الشعبية التي قالت هذه الـ «لا» وبين السلطات الرسمية التي وقّعت بـ «نعم». في كل الحالات، لا شك أن فشل اتفاقية لشبونة سوف يطرح مشاكل حقيقية على البناء الأوروبي كله، بحيث يغدو ذا طابع اقتصادي صرف تقريبا، بينما الأفق المطروح هو سياسي بالدرجة الأولى.

ثم إن الـ «لا» الأيرلندية تعرقل الطموحات الفرنسية حيال ملف آخر هو الملف الدفاعي، إذ لم يعد ممكنا تحقيق «التعاون البنيوي المستدام» الذي نصّت عليه اتفاقية برشلونة. ولذلك قد تتجه الرئاسة الفرنسية للاتحاد الأوروبي نحو «حلول بديلة»، مثل تدعيم الصناعات العسكرية أو توحيد أنماط التدريب والتكوين على مستوى بلدان الاتحاد.

هذا كله على خلفية مقولة مفادها أن أوروبا لا تستطيع أن تستعيد مكان الصدارة وتحسين مستوى حياة مواطنيها سوى عبر التجديد. في المحصلة لا يبدو في المشروع الفرنسي لأوروبا خلال الأشهر الستة القادمة ما يتجاوز حدود القارة، وكأنها قد انكفأت على الاهتمام بمشاكلها، في عالم لم تعد فيه سوى «طرف قوي بين أقوياء». هكذا الدنيا.

كما نعرفها، هي متغيرة الأحوال، ونحن بعيدون عن الزمن الذي قال فيه الشاعر الفرنسي الكبير فيكتور هوغو «لقد قامت آسيا من أجل الأشجار، وقامت إفريقيا من أجل النمور وقامت أميركا من أجل أوروبا وقامت أوروبا من أجل العالم».

كاتب سوري ـ باريس

opinion@albayan.ae