صدر منذ أيام تقرير عن إدارة الدراسات في دائرة التخطيط والاقتصاد في العاصمة أبوظبي يشير إلى تضاعف مستوى الإنفاق الاستهلاكي في الإمارات إلى 320 مليار درهم بمتوسط معدل نمو سنوي بلغ 18%. وقد حذرت الدائرة من استشراء النزعة الاستهلاكية لدى أفراد المجتمع، ومن تفشي ما يسمى بظاهرة «الفقر الخفي» المتمثل في سعي شرائح من المجتمع إلى توفير الكماليات على حساب الضروريات.

ولا شكّ أنّ انتشار مثل هذه الظاهرة له آثاره السلبية على اقتصاد الدولة، وعلى ثقافة المجتمع وطبيعة الحياة التي يؤسس لها ويعززها، كما أكدت ذلك الدراسة التي أوضحت أنّ هذه الظاهرة تضرب أول ما تضرب الاستثمار والادخار؛ إذ إنّ الزيادة المفرطة في الإنفاق الاستهلاكي تمتص جانبا مهما من السيولة على حساب الاستثمار المنتج.

ومجتمع الإمارات ليس وحيدا في هذا الأمر، فهذه ظاهرة عامة تعاني منها كل المجتمعات المدنية، الغنية منها والفقيرة، كما تشير إلى ذلك تقارير كثيرة، فالعالم كله يعيش اليوم نزعة واضحة نحو الاستهلاك المفرط، والميل الشرائي غير المقنن الذي يفتح الباب واسعا نحو ما يسمى بظاهرة الاستهلاك التفاخري القائم على التنافس لتحقيق التفوق، وهو تفوق زائف غير حقيقي، لا يبني الإنسان، ولا يخدم المجتمع، لأنه قائم بالدرجة الأولى على التعلق بالمظاهر والكماليات.

وتشير كثير من الدراسات إلى أنّ هذا الأمر جاء نتيجة متوقعة لتداعيات العولمة، وما تسوّق له من نمط معيشي قائم على الاستهلاك والغرق في بحر الكماليات والمظاهر التي أصبحت اليوم جزءا أساسيا من الحياة، له ما له من سطوة وتأثير لا يقف في وجهه أحد.

ولا يخفى على أحد كيف تؤثر ثقافة الاستهلاك على كل الخطط التنموية التي تسعى إلى تقوية الإنتاج وتعزيز القوة الاقتصادية في المجتمع على المدى البعيد، بالإضافة إلى آثار كثيرة مدمرة تنخر في قيم المجتمع، وتضعف تماسكه.

ولا يخفى على أحد أيضاً ما لوسائل الإعلام من دور كبير في تقوية الميل إلى الإنفاق الاستهلاكي في المجتمع، وما تفعله كثير من الشركات والبنوك في محاولة لاستمالة الناس وإيقاعهم في مصيدة القروض التي وصلت إلى أرقام مخيفة تشير بصراحة إلى تشوهات حقيقية في بنية المجتمع، وتحولات خطيرة في طبيعة الحياة والقيم التي تفرزها وتؤسس لها.

ولعلنا في مجتمع الإمارات نلمس بوضوح آثار مثل هذه الظاهرة، ونراها يوميا في حياتنا وحياة أبنائنا، فقد أصبح المرء يشعر أنه يعيش في سباق محموم لا ينتهي ولا يتوقف لتحقيق التفوق المظهري القائم على الشكليات والكماليات، وأصبحت قيمة الإنسان في نظر كثير من الناس تقاس بسيارته وملابسه وبيته. ولعل هذه الظاهرة تستشري أكثر بين النساء اللاتي يغرقن أكثر في بحر الاستهلاك اللانهائي، وفي سحر الماركات العالمية، وفي سباق التملك الكاذب، والتفاخر بالشكليات.

حتى الأطفال الصغار لم يسلموا من ذلك، وأصبحت أوجه كثيرة من التنافس بينهم تنحصر في عناصر التميز المظهري، وفي التفوق في امتلاك الأغلى والأحدث والأجمل.

ولا شك أن مثل هذه التوجه نحو الاستهلاك والتسابق على المظاهر والكماليات التي لا تنتهي لا يؤثر سلبا على الاقتصاد المحلي فقط، بل يمتد عميقا ليصل إلى القيم الاجتماعية كما ذكرنا، ولعله أصبح يؤثر بوضوح في العلاقات بين الناس، حتى تلك التي ترتبط ببيئات العمل، والتي يفترض بها أن تتجرد من كل المؤثرات والعوامل الشكلية، وتقوم على أسس من الإنتاجية والإخلاص والتفاني وبذل الجهد والحرص على المصلحة العامة.

فقد زحفت المظاهر على كثير من مساحات الحياة في مجتمعاتنا العربية فتوارت وراءها إنسانية الإنسان وعناصر تميزه الحقيقية، وكادت تغيب عناصر التنافس الحقيقية بين الناس، تلك التي تؤسس لمجتمع قوي متماسك، لا تغريه المكاسب السريعة، فلا يقع فريسة للمظاهر البراقة الكاذبة، غافلا عن مشاريع التنمية الحقيقية بعيدة المدى.

ولعل خطط التنمية البشرية وما ينبني عليها من توقعات تصبّ كلها في نفع المجتمع وخدمة مصالحه على المدى البعيد تواجه تحديا كبيرا أمام هذا الشره الاستهلاكي الذي تغرق فيه المجتمعات المدنية؛ فهو يرسخ لمجموعة من الميول والتصورات تناقض الكثير من القيم المجتمعية التي تحاول خطط التنمية البشرية أن تؤسس لها في المجتمع وبين أفراد الأسر؛ إذ تذهب دراسات مختلفة إلى أنّ ظاهرة الشره الاستهلاكي تؤثر بقوّة في منظومة القيم المجتمعية.

وهي تشير إلى تحوّل خطير في تفكير الناس حول مفاهيم أساسية تمسّ حياتهم وسلوكهم وعواطفهم، كمفاهيم السعادة والرضا والتفوق والإنجاز؛ إذ تصبح هذه المفاهيم مؤطرة تأطيرا قويا بقوة الاستهلاك وقدرة الفرد المادية على الشراء وامتلاك الماديات، ولكنّ هذه القوة تقف في النهاية عاجزة عن تحقيق السعادة والرضا والتفوق الحقيقي للإنسان مما يدخله في دائرة كبيرة من الأوهام أو المشاعر المحبطة أو محاولة خداع النفس والآخرين.

وكل هذه الأمور تنخر في الخفاء في بناء المجتمع وتجعله بناء هشا لا يقوى على المقاومة، ولا يتمكن من السير قدما نحو مستقبل يعد بالتمكن وامتلاك عناصر القوة الحقيقية الباقية القادرة على مواجهة التحديات الجديدة التي لا تقف عند حد.

ولعل هذا يضعنا جميعا في مواجهة كثير من التوجّهات والسلوكيات غير الصحيّة التي أصبحت تنتشر بيننا انتشار النار في الهشيم، من مثل هذا الميل المضرّ نحو الاستهلاك غير المقبول، والغرق في بحر الكماليات والمظاهر الخداعة، ويحملنا مسؤولية تبني مواقف جادة إيجابية نحو التأسيس لعادات مجتمعية صحية نافعة، تعمل على تربية الأجيال القادمة على تقدير الاستثمار والادخار، وعدم الوقوع في شبكة الاستهلاك المهلكة التي لا تخدم أحدا في النهاية ولا تحقق شيئا يبقى للأيام القادمة.

ولعلّ أهم ما نحتاج أن نتواصى به أفرادا وجماعات أن نربي أبناءنا على القيم الباقية كالاستقامة وحب العمل والعلم والإتقان والأمانة والتعاون والتنافس الشريف وتقديم المصلحة العامة على المصالح الشخصية الضيقة والبعد عن الأنانية والكذب والنفاق، وتقدير المال والحفاظ عليه وعلى الموارد الأخرى التي وهبنا الله إياها، فمثل هذه القيم هي القادرة على أن تحقق لهم الرضا والسعادة وتقدير الذات بعيدا عن المظاهر الكاذبة والتنافس في حلبة وهمية لا وزن لها ولا تأثير.

جامعة الإمارات

ltfibrahim@yahoo.com