لا شك أن حوار صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، المنشور مؤخراً في صحفنا المحلية و«النهار» اللبنانية، قد أوضح رؤية الأمة الاتحادية لكافة مسائل الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي تعيشه دولة الإمارات، وأيضاً تناول كافة القضايا العربية والدولية.

ويواكب الحوار ويتفاعل مع المتغيرات الإقليمية والدولية الشائكة، مثل: المسألة اللبنانية، والملف النووي الإيراني وتداعياته، مع تأكيد سموه على الثوابت التي تحكم الموقف الإماراتي إزاء أية قضية من القضايا، وهي الالتزام الكامل بمبادئ الشرعية الدولية.

كما تطرق الحوار إلى الموقف في العراق، وتوقف صاحب السمو باستغراب عند أوهام الهجمات الإرهابية المزعومة على الإمارات، وأكد على التكافؤ في العلاقات بين الدول، واتفاقيات التعاون في المجال النووي للأغراض السلمية، وتنوُّع مصادر التسلُّح، وكشف سموه عن أن ما يحكم سياستنا في هذا المجال هو حاجتنا الدفاعية لا الاعتبارات السياسية.

ورغم أن الحوار جاء شاملاً ومكثفاً وتعرّض لكل المسائل الشاكئة، فإنني أودُّ التوقف عند قضية تمسّ الداخل الإماراتي مباشرة، وهي قضية «التركيبة السكانية» وأثر العمالة العربية والأجنبية عليها، خاصة أن سموه قد عوَّدنا على الحوار الحر معه.

ومنذ البداية يصوب سموه النظرة إلى المسألة، ويعتبر أن من الخطأ ما يزعمه البعض من أن دول مجلس التعاون تخشى تكاثر العمالة العربية، لأن في الإمكان استغلالها سياسياً عند الضرورة، فتزايد العمالة الأجنبية قياساً بالعمالة العربية في الإمارات ودول المنطقة كان له اعتبارات اقتصادية.

حيث كانت المؤسسات والشركات تلجأ إلى استخدام الأيدي العاملة الرخيصة والتي تتوافر منها بدائل كثيرة. وبسبب التفاوت بين أجور العمالة العربية والعمالة الأجنبية، كان هناك لجوء مستمر إلى العمال الأجانب، ما زاد عددهم قياساً بالعمال العرب.

والعمالة العربية ليست محل شكوك، والآلاف من العرب في وظائف إشرافية أو إدارية أو فنية وهي وظائف تحتاج إلى أشخاص يتمتعون بمستوى تعليمي وثقافي عال. ومن هنا فلا توجد مخاوف من هذا النوع، لأن القيادة في الأمة الاتحادية لديها الثقة بنفسها وبقدرتها على إدارة عملية التنمية بشكل آمن مستقر.

والمشكلة كما يشخصها سموه هي وجود تقديرات خاطئة عند البعض ممن يستقدمون العمالة الأجنبية، فقد تحكم البعد الاقتصادي فقط في رؤيتهم، وكانت لديهم حسابات ربح وخسارة ضيقة على صعيد استقدام العمالة في الفترة الماضية من عملية التنمية، ما أدى إلى الوجود الكثيف للعمالة الرخيصة، هذا الوجود الذي وصل إلى درجة تهدد الطابع الإماراتي للاتحاد، فقد وصلت نسبة المواطنين إلى حدود 15.4% من مجموع المقيمين على أرض الدولة.

مما يؤكد وجود «خلل في التركيبة السكانية»، كما أن اللغة الوطنية تتراجع بسبب التواجد الكثيف للأجانب، والهوية الثقافية والدينية الوطنية صارت عرضة للتأثر، كما أن الأمن الداخلي أصبح عرضة لظاهرة جديدة من خلال أعمال الشغب والتحركات الاحتجاجية للعمال الوافدين.

إننا سبق أن تعرضنا مراراً في مقالات سابقة لخلل التركيبة السكانية، ولا نريد أن نكرر ما قلناه، بل فقط نود التأكيد أن صاحب السمو قد أدرك منذ فترة غير قصيرة خطورة المسألة، ووفقاً لعادته في معالجة المسائل الحساسة، فإنه وضع استراتيجية شاملة للعلاج تقوم على ثلاثة محاور:

المحور الرئيسي والأول فيها: هو تعزيز دور المواطن في الإنتاج والإدارة وذلك بإحلال العمالة المواطنة المؤهلة، ومن ثم ضرورة تدريب المواطنين والارتقاء بمهاراتهم لكي يكونوا أفضل من الأجانب وبالتالي مؤهلين لتولي المناصب والوظائف.

والمحور الثاني: يتمثل في إعادة النظر في السياسات الاقتصادية التي تؤدي للاعتماد على العمالة الأجنبية. ومن ثم إعادة هيكلة الاقتصاد بتهيئة الظروف كافة لحسن انتقاله من مرحلة تقليدية تعتمد على عمالة رخيصة كثيفة إلى اقتصاد يقوم على المعرفة والتكنولوجيا المتقدمة والعمالة الماهرة.

أما المحور الثالث: فيتمثل في تحسين كفاءة الأجهزة ذات العلاقة بتنظيم العمالة الوافدة.. ووضع قيود على المتاجرة بالتأشيرات التي تؤدي إلى فتح المجال أمام أعداد فائقة من العمالة. إضافة إلى زيادة التنسيق بين الأجهزة المعنية في الحكومة الاتحادية والمحلية، وزيادة الوعي الشعبي.

وفي هذا الإطار تأتي المحاولات لتصحيح المعادلة التي يكون فيها السوق حكماً بين العامل العربي والعامل الأجنبي، ومن ثم تصحيح مسار الاستقدام على أساس إعادة النظر في أوضاع العمالة الأجنبية، ويتم التفكير الجدي في وضع معايير تتفق مع المعايير التي تضعها كثير من دول العالم المتقدم، مثل معايير توفير الشروط المالية، ومعايير أخرى تتعلق بضرورة توفير الظروف المعيشية اللائقة التي تتفق مع المعايير العالمية.

ولابد من الاستفادة من تجارب الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأميركية التي اتخذت إجراءات لمواجهة الخطر نفسه الذي يواجهنا وتتعرض هي الأخرى لضياع الهوية الوطنية. وهذا يعني أن الدولة الاتحادية لابد أن تضع قيوداً على أصحاب النظرة الضيقة في استقدام العمالة الأجنبية الرخيصة.

وهنا أرجو من سموه السماح لي بضرورة التأكيد على مراعاة التدرج في وضع شروط الاستقدام، حتى لا يحدث أي خلل في أوضاع الشركات نتيجة الاستغناء المفاجئ عن العمالة الرخيصة، وإعطائها فرصة لتوفيق أوضاعها، والهدف من التدرج في النزول بنسبة الأجانب هو عدم حدوث خلل في بنية العمالة يؤثر على اقتصاديات الدولة الاتحادية.

إن كل ما سبق في هذه المقالة يؤكد اتفاقنا مع الرؤية السياسية والاستراتيجية لصاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، وأننا نفكر في السياق نفسه الذي يفكر فيه، ما يعكس حالة الانسجام والتلاحم الفكري بين القيادة والمواطنين من أجل الارتقاء بدولتنا الاتحادية على طريق التقدم والرفاهية.

خاصة أن النظرة التي تحكم القيادة الإماراتية إنما هي نظرة استراتيجية عميقة، لا تقف فقط عند البعد الاقتصادي، بل تراعي كافة الأبعاد الاجتماعية والسياسية والأمنية والثقافية، لا سيما مع ضرورة الحفاظ على الهوية الوطنية الاتحادية، تلك الهوية التي باتت مهددة جراء الخلل الحادث في التركيبة السكانية نتيجة تعدد الأعراق الوافدة على الإمارات العربية المتحدة، وتأثيره السلبي على الحياة الإماراتية التي أخذت تفقد طابعها الخاص! والله من وراء القصد.

جامعة الإمارات

Razak-doc@hotmail.com