تابعت مثل الملايين من المشاهدين في عالمنا العربي كأس الأمم الأوروبية الأخيرة التي فازت فيها إسبانيا. ولا يمكن في هذا السياق تجاهل الدور الكبير الذي قامت به قناة الجزيرة الرياضية الخاصة بمتابعة أحداث البطولة ونقلها للمشاهد في العالم العربي. فمن خلال متابعات يومية وحوارات متواصلة استطاعت القناة أن تقدم خدمة أكثر من رائعة قل أن نجد لها مثيل في العالم العربي.
كما أن حالة الإبهار الحضاري لأرفع مسابقة كروية في العالم قد جعل من متابعة هذه البطولة متعة تجمع بين الرياضة العمق التاريخي الأوروبي في أرفع مستوياته. ورغم ذلك لا تخلو المناسبات الرائعة دائما من بعض الجوانب السلبية التي ترتبط أكثر بالسياق والثقافة العربية.
جاء المعلقون العرب على رأس هذه المأساة التي عانينا منها لمدة قاربت الشهر من العذاب المتواصل معهم. ومما زاد من الإحساس بوطأة العذاب والقهر المتواصل أن قناة الجزيرة قد خصصت قناة بالإنجليزية يتحدث فيها محاورون أوروبيون ويعلقون على مبارياتها. وهو ما سمح للمشاهد العربي بالمقارنة المستمرة والمتواصلة بين حال المعلقين العرب وحال المعلقين الأجانب.
ويمكن تحديد السمات التالية التي ميزت كافة المعلقين العرب الذين تناوبوا على نقل مباريات كأس الأمم الأوروبية، وهي سمات يمكن تعميمها بدرجة أو بأخرى على كافة المعلقين العرب بغض النظر عن الجنسية وبغض النظر عن الذيوع والانتشار.
ينطلق المعلق العربي من أنه يفهم كل شيء ويحيط بخلفية كل الأمور، فهو لا تغيب عنه شاردة أو واردة. من هنا لا يبدو غريبا أن المعلق العربي يتكلم ويرغي ويزبد لمدة تسعين دقيقة، ولا تمر عليه ثانية واحدة إلا وتحدث فيها، لدرجة أن المشاهد في أحيان كثيرة يسقط منه ويترنح بين شفتيه، ويفقد حتى حماسته لمشاهدة المباراة. والغريب في الأمر أن هذا المعلق لا يتعب ولا يكل ولا يمل من الكلام.
في ضوء شهوة الكلام الهائلة التي تصيب المعلقين العرب فإنهم ينسون الهدف الرئيس من عملية التعليق هو نقل ما يحدث في ساحة الملعب. فالمعلق هو الوسيط بين المشاهد وبين ما يحدث على أرض الملعب. ينسي المعلق العربي هذه المهمة، وإذا به موسوعة معرفية هائلة يتحدث في كل شيء، أحوال اللاعبين وأعمارهم وزوجاتهم وأقاربهم وثرواتهم وأمزجتهم وأحوالهم النفسية والاجتماعية، وربما السياسية.
ولأن كثرة الكلام تقود لا محالة إلى الخطأ فغالبا ما ينتهي الحال بالمعلق العربي إلى معلومات خاطئة، وتعارض في البيانات. فما يقوله في لحظة يخالفه في لحظة أخرى. وهكذا يتحول المشاهد إلى فأر تجارب، يمارس عليه المعلق كافة أنواع الأخطاء وتضارب المعلومات والاستخفاف. وهو ما يجعلنا نفترض هنا أن المعلق العربي يفترض سلفا أن المشاهد يتسم بالسذاجة والسطحية وعدم القدرة على تقييم ما يقال له. أو هو من الأساس لا يضع أهمية لهذا المشاهد، وكأنه يعلق على المباراة من أجل نفسه وأجل محبيه وأقاربه وأصدقائه.
وتزداد الطين بله حينما يعبر المعلق العربي عن أمزجة اللاعبين والمدربين والحكام. فهذا في غاية الفرح والسعادة، وآخر في غاية الإحباط واليأس، وثالث سوف يرحل عن الملاعب مكللا بالعار والويل والثبور. ولا يعلم المشاهد ما هي القدرات الهائلة التي يملكها المعلق العربي، والتي تجعله يرصد الحالة النفسية لكل ما يحيط به أثناء المباراة.
ولأن المعلقين العرب لديهم ملكات لغوية هائلة، فهم يستخدمون كافة المفردات من أجل التعبير عن نوازعهم الأدبية. وهو الأمر الذي وصل بأحدهم في كأس الأمم الأوروبية الأخيرة إلى أن يحيل التعليق إلى ساحة من الشعر الساذج، حيث ألمت به موسيقى اللغة وسطوة السجع والتشبيهات. والغريب في الأمر أيضا أن يتحدث البعض العربية بلكنة فرنسية في شكل مأساوي ومضحك وعبثي، وكأن العالم العربي قد خلا ممن يمكنهم الحديث بالعربية كما نعرفها ونمارسها.
دائما وأبدا ما يتصور المعلقون العرب أنهم في ساحة للعراك والشجار، ويتناسون في النهاية أن المسألة ليست أكثر من مباراة لكرة القدم، يحاول المشاهد من خلالها أن يسترخي ويستمتع بفعل المشاهدة. لكن المعلقين العرب يتصورون الأمر على خلاف ذلك، حيث يتحول التعليق لديهم إلى هتاف وصراخ وتأجيج للمشاعر أكثر من أي شيء آخر.
وهو ما يجعل المشاهد يلهث وهو يتابع هذا الصخب، وينسى تماما أن الأمر يتعلق في النهاية بنشاط رياضي محض. والغريب في الأمر أن المعلقين الأجانب لا يقومون بمثل هذا الصخب وبشكل خاص عند التهديف. فالمعلق الأجنبي لا يصادر على مشاعر المشاهدين ولا يستدرجهم نحو مثالب التحيز البغيضة، ولا نحو الإثارة واللغط وتعارض المواقف.
كشفت بنية المعلقين العرب في يورو 2008 عن أن شكل القنوات الفضائية الحديث لا يصنع بمفرده النجاح المرغوب، لكن الأمر يظل رهنا بالعنصر البشري. وإلى أن تتطور البنيات الثقافية والإعلامية في العالم العربي من أجل إنتاج كوادر بشرية حقيقية سوف يبقي المشاهد العربي خاضعا لسطوة وهيمنة هذه النوعية من المعلقين.
كاتب مصري
