في الوقت الذي تتجه فيه التطورات بالنسبة لعدد من قضايا المنطقة نحو الهدوء ولو النسبي، فإنه من المثير للانتباه وربما الدهشة أن يتصاعد الجدل حول الاستقرار في منطقة الخليج التي تعد من أكثر مناطق العالم أهمية، استراتيجيا واقتصاديا وماليا، الآن وعلى امتداد المستقبل المنظور، ان لم تكن اهمها على الاطلاق.

وتزداد تلك الدهشة والتساؤل عندما لا تكون هناك مؤشرات أو تطورات عملية أو ملموسة تدفع في اتجاه هز الاستقرار في المنطقة أو تعريضه للخطر على نحو أو آخر . ولذا فإنه من المهم والضروري - اذا دعت حاجة هذا الطرف أو ذاك أو حساباته الخاصة السياسية أو الاعلامية أو غيرها - ان يظل الأمر محصورا على المبارزة بالتصريحات.

أو تسجيل المواقف والتحذيرات المتبادلة وليس أكثر من ذلك، وهو ما يجعل من المسألة بمثابة استعادة لممارسات الحرب الباردة التي تخلص منها العالم. وحتى هذه الممارسات أو التلميحات ليس من الحكمة العودة اليها لأن شعوب المنطقة جميعها تتوق بالفعل إلى السلام وترسيخ الاستقرار وتحقيق الازدهار لابنائها الآن وفي المستقبل ومواجهة تحديات التنمية بمجالاتها المختلفة .

جدير بالذكر انه في الوقت الذي تتجه فيه الاوضاع على الساحة العراقية نحو مزيد من الهدوء وانحسار أعمال العنف الأعمى الذي دفع الشعب العراقي الشقيق ثمنا فادحا له، كما تبذل الحكومة العراقية قصارى جهدها من اجل نشر الاستقرار ليمتد إلى كل المحافظات العراقية، فإن الأوضاع في لبنان لا تزال تراوح مكانها بشأن تشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة.

مع ادراك عميق للمخاطر المترتبة على استمرار العراقيل القائمة، وما يمكن ان تصل اليه الأوضاع في حالة الاستجابة إلى بعض عمليات التصعيد التي تدفع اليها أطراف محددة بين وقت وآخر.

يضاف إلى ذلك ان استئناف المفاوضات غير المباشرة بين سوريا وإسرائيل عبر الوساطة التركية، وما اشار اليه وزير الخارجية السوري وليد المعلم من مناخ ايجابي بشأن عملية السلام، وما يتصل بتلك المفاوضات كذلك، من شأنه ان يدفع نحو قدر من التفاؤل بشأن ما يمكن ان تتمخض عنه هذه المحادثات من ناحية.

وما يمكن ان يترتب على عملية تبادل الأسرى بين إسرائيل وحزب الله - عندما تتم في الأيام القادمة - وما يمكن ان يصاحب المحادثات الإسرائيلية مع حركة حماس عبر مصر حول تبادل الاسرى من ناحية ثانية، من نتائج تعزز مناخ التهدئة سواء في الأراضي الفلسطينية أو خارجها ايضا.

في ظل هذا التوجه العام والملموس نحو امكانية الانفراج في المنطقة لجأت إسرائيل إلى اذكاء الشكوك حول نواياها تجاه الجمهورية الاسلامية الايرانية وبرنامجها النووي الذي تؤكد طهران انه برنامج سلمي وانه ليس من اهدافه ولا في نيتها امتلاك سلاح نووي.

ومع الوضع في الاعتبار مدى وطبيعة الجدل حول البرنامج النووي الإيراني ومواقف ودوافع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية المعنية به، ومحاولة مختلف الاطراف خدمة مصالحها وأهدافها في المقام الأمل، فإنه يمكن القول ان الحقيقة التي لايمكن ان يختلف عليها أحد، في المنطقة وخارجها، هي ان استقرار وأمن هذه المنطقة الحيوية يحقق ليس فقط مصالح دول المنطقة وشعوبها.

ولكن أيضا مصالح دول وشعوب العالم من حولها. ومن هذا المنطلق فإنه من المهم والضروري ان تبتعد مختلف الاطراف عن لغة الحرب الباردة التي تجاوزها العالم والتي تفرض مصالح كل دول وشعوب المنطقة تجاوزها لأنها لا تخدم سوى الراغبين في اغراق المنطقة في مناخ التوتر والتوجس وعدم الاستقرار، وهو ما يبدد جهود شعوبها وقد يشغلها عن متابعة عمليات التنمية والبناء التي تسخر لها كل طاقاتها المادية والبشرية.

ولذا فإنه من المفيد لكل الأطراف ان تحافظ على الاستقرار والطمأنينة والثقة المتبادلة بين دول وشعوب المنطقة والتي بنيت واستقرت على امتداد سنوات طويلة تمكنت فيها شعوب المنطقة معا من تجاوز كل ما تعرضت له من تحديات ومخاطر من واقع ما يربط بينها من وشائج ومصالح ومصير مشترك في الماضي والحاضر والمستقبل أيضا.