لأول مرة منذ عقدين كاملين، لم يعد من الممكن الحديث عن التيار الديني في أميركا باعتباره أحدى القوى السياسية المضمونة بالنسبة للحزب الجمهوري. فمنذ انتخابات ريجان الأولى عام 1980 صار التيار الديني ـ الذي كان يشهد وقتها بدايات صعوده السياسي بعد كبوته في أوائل القرن- حليفا للحزب الجمهوري يعطى أصواته لمرشحيه بأغلبية كبيرة. ثم صار مع بداية عقد التسعينات القاعدة الرئيسية التي يعتمد عليها الحزب في الانتخابات العامة.
وقد فاز بوش الابن في 2004 بالأغلبية الساحقة من أصوات ناخبي هذا التيار، حتى ان البيت الأبيض اتصل عشية إعلان النتائج بقيادات اليمين الديني ليشكرهم على الجهود التي بذلوها لحشد ناخبيهم.
لكن انتخابات 2008 مرشحة لأن تكون جد مختلفة في هذا الشأن. فمن الوارد تماما أن يحصل المرشح الديمقراطي باراك أوباما على نسبة معتبرة من أصوات التيار الديني ومن الوارد أيضا أن يحجم عدد من ناخبي هذا التيار عن التصويت أصلا تعبيرا عن رفضهم لكلا المرشحين.
ويرجع السبب في ذلك إلى أن اليمين الديني قد شهد في السنوات الأخيرة تحولات كبرى من داخله تجعل من الصعب الآن اعتباره «يمينا» بالمطلق، وتنذر بتغيير المعادلة السياسية لغير صالح الحزب الجمهوري.
ففي فترة صعود اليمين الديني في السبعينات، ركز هذا التيار بالأساس على القضايا القيمية والأخلاقية مثل الإجهاض واللواط وإقامة الصلوات في المدارس.
وشنت منظماته حملات شرسة ضد خصومها وصلت في أحيان كثيرة إلى استخدام العنف خصوصا ضد عيادات الإجهاض والأطباء الذين يقومون بإجرائه. وسعى اليمين الديني بكل قوته أيضا إلى السيطرة من خلال منصب الرئاسة على المحاكم الفيدرالية بكافة درجاتها (كون الرئيس هو الذي يختار القضاة قبل أن يصدق عليهم مجلس الشيوخ) وذلك من أجل إصدار أحكام قضائية لصالح مواقفهم وتعطيل القوانين التي يكرهونها.
غير أن تحولا بدأ يطرأ من داخل التيار الديني نفسه. فقد برز جناح جديد مثل خطا مختلفا في نوع القضايا التي يتبناها. ويمثل هذا الجناح في الواقع تعبيرا عن رؤية فلسفية مختلفة. فالجناح التقليدي كان له موقف مناهض للحداثة ذاتها ويعتبر أن المجتمع فاسد ولا أمل في إصلاحه. والبشر عاجزون عن تحسين الأوضاع ووقف التدهور، فالأمر يحتاج إلى تدخل قوة عليا.
ومن ثم فإن عودة السيد المسيح إلى الأرض هي وحدها التي تمثل الإنقاذ والخلاص. ومن ثم فإن على المؤمن الكفاح المستمر ضد مفاسد المجتمع استعدادا للخلاص وقت أن تحين الساعة. أما الجناح الجديد فهو لا يتخذ موقفا يائسا من المجتمع ولا يعتبر نفسه في صراع مستمر معه وإنما يعتبر أن المجتمع قابل للإصلاح وأن دور المؤمنين هو المساهمة في إصلاح المجتمع لا الخلاص الفردي.
ومن هنا، فقد اعتبر ذلك الجناح أن التيار الديني قد تبنى خلال العقدين الماضيين أجندة بالغة الضيق غضت الطرف عن قضايا ربما تفوق في أهميتها القضايا التي طرحها. فقد رفض هذا الجناح مثلا صمت الجناح التقليدي إزاء قضايا الفقر والعدالة الاجتماعية عموما. وصار يضع توفير الرعاية الصحية للذين لا يملكونها وحماية البيئة على قمة أولوياته.
وقد لاقت أفكار هذا الجناح ترحيبا واسعا خصوصا في أوساط الشباب داخل التيار الديني الأمر الذي ساعد على مزيد من الصعود لهذا الجناح في الأعوام الأربعة الأخيرة حتى في ولايات كانت تعتبر من قلاع الجناح القديم.
غير أن تبنى مثل هذا النوع من القضايا من شأنه بالضرورة أن يحدث صدعا بين التيار الديني والحزب الجمهوري الذي تقدس رموزه الحالية اقتصاد السوق وتسعى لمزيد من تقليص دور الدولة في تحقيق العدالة الاجتماعية.
ويزداد الصدع وضوحا إذا ما نظرنا إلى تذمر ذلك الجناح من الحزب لا فقط بسبب حرب العراق وإنما أيضا بسبب فضائح الفساد السياسي والمالي التي هزت أركان الحزب الجمهوري في العامين الأخيرين، واعتبر الكثيرون في التيار الديني أنها كشفت عن نفاق سياسي شعروا معه أنه تم استخدامهم سياسيا لدعم حزب لم يرق الأداء الأخلاقي والقيمي لرموزه إلى المستوى الذي كانوا يتوقعونه.
وكانت نتيجة كل ذلك أن استطلاعات الرأي صارت تشير منذ بداية عام 2008 إلى أن تأييد الحزب الجمهوري بين ناخبي التيار الديني يقل عن 50% وهى نسبة لم تحدث من قبل منذ أن ارتبط هذا التيار بالحزب الجمهوري.
بعبارة أخرى، فإن هناك صعودا لجناح جديد داخل التيار الديني يزداد قوة وينحو يساراً، الأمر الذي يفتح الباب واسعا أمام المرشح الديمقراطي أوباما لاجتذابهم. وهو الأمر الذي يسعى له أوباما فعلاً. فقد ألقى خطابا في إحدى كنائسهم في 2006 وارتبط بعدد من رموزهم.
وإضافة إلى ذلك، فإن علاقة المرشح الجمهوري جون ماكين بالجناح التقليدي في التيار الديني علاقة يشوبها التوتر وانعدام الثقة منذ أن رشح ماكين نفسه للرئاسة في 2000. وهي العلاقة التي كانت قد وصلت وقتها إلى التراشق بالاتهامات المتبادلة. ولم تخف قيادات ذلك الجناح استياءها من فوز ماكين بترشيح الحزب بل أعرب عدد منهم عن أنهم لن يعطوه أصواتهم، الأمر الذي قد ينتهي بإحجام مريدي هؤلاء الزعامات عن التصويت أصلاً في نوفمبر.
وإذا حدث ذلك، سنكون إزاء خريطة سياسية جديدة تماما في انتخابات 2008 تبدو حتى الآن في صالح الديمقراطيين ليس فقط بالنسبة لمنصب الرئاسة وإنما بالنسبة للانتخابات التشريعية أيضا. ومن شأن تلك التحولات أن تؤثر على مجمل الوضع السياسي في أميركا. فقد أدى هذا الصعود المدوي لليمين الديني داخل الحزب الجمهوري إلى جر الساحة السياسية الأميركية كلها مزيدا نحو اليمين.
ففي بلد يقوم على نظام الحزبين، لابد أن تؤدي هيمنة أقصى اليمين على مقدرات واحد من الحزبين إلى تداعيات مهمة تتخطى حدود ذلك الحزب نفسه. ومن هنا فإن انحسار دور الجناح اليميني داخل التيار الديني وصعود جناح آخر أكثر اعتدالا من شأنه أن يسهم في دفع الساحة السياسية الأميركية برمتها نحو الاعتدال.
كاتبة مصرية