لا يكاد مصري له أدنى اهتمام بالشأن العام أو أدنى معرفة بالسياسة يستطيع أن يقاوم حبا جارفا للسودان وأهله، والظروف الصعبة التي يعيشها السودان طالت حتى اقتربت من التحول لأزمة مزمنة متعددة الفصول لا تكاد تطوى صفحة فصل منها حتى يبتدئ فصل جديد، وهو ما يجعلها مستحقة لوصف الميلودراما. وأكثر ما يبعث على الحزن في هذه الميلودراما الثمن الإنساني الفادح والجروح العميقة التي تتركها الصراعات في الجماعات السكانية السودانية المختلفة.

بالإمكان ـ بل من السهل ـ الانحياز إلى فئة في هذا الصراع أو ذاك، ومن نافل القول إن الأكثر سهولة إحصاء عدد الكيلومترات أو براميل النفط التي يمكن أن تترتب على انفصال الجنوب أو ترسيم الحدود في منطقة أبيي أو.... لكن الأكثر صعوبة الاكتراث بالثمن الإنساني الفادح لهذه الصراعات التي تلد صراعات أخرى في مشهد يبدو أسطوريا لولا أن الدم يجعله واقعيا إلى حد الأيلام الشديد.

وقد شهدت العاصمة الأميركية واشنطن مؤخرا ما يشبه «الملاسنة» بين مسؤول حكومي سوداني هو الدكتور التيجاني صالح فضيل وزير التعاون الدولي الذي قدر المتأثرين سلباً بالنزاع في حدود مليوني شخص، ولم يحدد عدد القتلى. أما الدكتور الطاهر الفكي رئيس ما يسمى «المجلس التشريعي» في «حركة العدالة والمساواة»، فقال إن عدد النازحين 3. 5 ملايين أما القتلي فحوالي 300 ألف.

وفي تقدير ثالث قال الباحث والخبير جيرارد برنير المتخصص في شؤون وسط وشرق إفريقيا إن عدد من «ماتوا» بسبب ظروف النزاع حوالي نصف مليون بينهم 80 ألفا قتلى النزاع المسلح.

وقد استوقفني أن الدكتور الفكي قدم خلال الندوة التي شهدت الملاسنة اعتذاراً للجنوبيين «ضحايا ممارسات قام بها جنود من دارفور وكردفان، استخدموا لقمعهم وفعلوا من دون قصد وعن جهل أثناء حرب الجنوب». وكان قادة الجنوبيين ذكروا في عدة مناسبات، إن جنود الجيش السوداني، المنحدرين من دارفور كانوا الأكثر قسوة معهم أثناء الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب.

وهذه الظاهرة التي أسميها «تبادل المواقع بين الجاني والضحية» من الظواهر الإنسانية المثيرة، فالضحايا يتوقع منهم غالبا أن يكونوا أكثر ميلا للتعاطف مع كل من يتعرضون للاضطهاد، لكن التاريخ شهد حالات مماثلة كانت فيها فئات تعرضت لظلم ما تنتقل عندما تتاح الفرصة من موقع الضحية إلى موقع الجاني وتظهر عليها ميول واضحة لاستخدام القوة ضد طرف ثالث أضعف، وهذا جزء - مجرد جزء - صغير من الثمن الإنساني الذي أراه أفدح من ضياع جزء من التراب الوطني أو بعض الموارد الطبيعية، وربما أكون مخطئا.

الباحث جيرارد برنير الخبير المتخصص في شؤون وسط وشرق إفريقيا قال إنه في نزاع دارفور فإن مسلمين يقتلون مسلمين. ولا تعليق!

كاتب مصري

mmshikh@hotmail.com