من لندن قبل أسابيع، كان الصديق الشيخ سلطان بن سعود القاسمي رئيس فرع القيادات العربية في دولة الإمارات على الهاتف يلح علي : «زائر مهم في الطريق إلى دبي لابد أن تلتقيه». وهل أستطيع أن أرفض طلباً لسلطان وهو من يبادر دائماً بالتواصل ومد جسور التعارف بين المثقفين والناشطين؟
كان الزائر لدبي ومازال حديث الدوائر الإعلامية والثقافية والسياسية في الولايات المتحدة الأميركية وخارجها. فهو، على صغر سنة، من أدق من يقرأ صورة العالم الجديد. إنه الكاتب والمحلل السياسي باراق كانا، مدير مبادرة الحوكمة العالمية بمؤسسة أميركا الجديدة بواشنطن.
وشهرة باراق في الأوساط الأميركية هذه الأيام لم تأت فقط من كونه أحد مستشاري مرشح الديمقراطيين للرئاسة في أميركا السناتور باراك أوباما ولكن بسبب كتابه الجديد ذائع الصيت: «العالم الثاني: الإمبراطوريات والتأثير في النظام العالمي الجديد» - (صدر قبل أشهر عن راندوم هاوس).
أحد أسباب شهرة هذا الكتاب في الولايات المتحدة الأميركية هذه الأيام يعود لصراحة التحذير من أن تتراجع أميركا إلى صفوف دول العالم الثاني في ظل تسابق مراكز قوى عالمية جديدة على الصف الأول. لم تفقد أميركا ريادتها العالمية بعد لكن قوى جديدة مثل دول الاتحاد الأوروبي والصين تشارك اليوم أميركا في الريادة العالمية.
وفي كتاب كانا تأكيد على أن دولاً أخرى مثل أذربيجان وأوزبكستان وكولومبيا وفيتنام وماليزيا تشحذ الهمم كي تصل إلى صفوف دول العالم الأول بفضل المناخ الاقتصادي العالمي الجديد والتحولات الاقتصادية الكبرى التي غيرت من أشكال الجيوبوليتكس ومراكز القوى العالمية. يخبرني باراق أن السؤال المكرر الذي يواجهه في كل مكان يتحدث فيه في الولايات المتحدة الأميركية هذه الأيام هو: هل ما زلنا القوة الأولى في العالم؟
وفي هذا السؤال تكمن الإجابة، فمن كان يتنبأ أن يأتي اليوم الذي يشكك فيه الأميركي ويسأل إن كانت بلاده، القوة العظمى عالمياً، لا تزال تحتفظ بمكانتها وهيبتها؟
لكن هذا الاحتفاء بكتاب باراق في أميركا هو في رأيي دليل آخر على أن الشعوب الحية هي تلك التي تراجع نفسها دائماً وتنظر لأحوالها بعين ناقدة وترحب بالأفكار الجديدة والعقول النيرة بغض النظر عن مصدرها. فكثير من نجوم الإعلام في أميركا هذا اليوم هم من أصول غير أميركية وبعضهم ولد خارج أميركا مثل فريد زكريا وكريستيان آمانبور وفؤاد عجمي وحالياً باراق كانا.
وفي مجال التقنية، هناك آلاف الأسماء وآلاف القصص لمبدعين وناجحين جاءوا من كل أنحاء العالم بحثاً عن بيئة صالحة للإبداع والإنجاز والتفوق. حقاً إن البلدان الحية هي تلك التي تعتني بالأفكار أولاً وتتيح أكبر الفرص للوجوه الشابة كي تسهم في البناء والقيادة. فباراق، على سبيل المثال، ولد عام 1977 في الهند وقضى طفولته في دولة الإمارات ثم تنقل بين ألمانيا وأميركا ليصبح، وهو في بداية الثلاثينات من عمره، أحد أبرز نجوم الجدل السياسي والإعلامي اليوم في أميركا. لماذا؟ لأن البيئة الحية هي تلك المتفاعلة مع الأفكار الجديدة ولا تحاكم الأفكار على أساس أصول أصحابها أو أعمارهم أو مذاهبهم أو توجهاتهم الفكرية.
على الغداء قبل يومين، كنت مع باراق كنا نتحدث عن تجربة دبي وظروف المنطقة إجمالاً. واتفقنا على حقيقة أن الأخبار الجيدة في منطقتنا هذا اليوم تأتي من الخليج وتحديداً من دولة الإمارات. لماذا؟ لأنها أخبار تنموية واقتصادية، فالاقتصاد اليوم هو أهم معايير القوة والنمو.
ومع هذا فقد كنا حذرين من الاندفاع في هذه النظرية إذ أن الاقتصاد وحده من دون مشاريع تنموية إصلاحية تطال إصلاحات حقيقية في التعليم والمشهد السياسي والثقافي لن يبني دولاً قوية تستطيع مواجهة تحديات المستقبل وتنافس الراكضين بسرعة نحو الصفوف الأولى.
أودع باراق بوعدين: وعد منه بزيارة أخرى لدبي ووعد مني أن أقرأ على الفور كتابه.
وها أنذا أبدأ القراءة!
كاتب ومستشار إعلامي
