ثلاث مفارقات بارزة ميّزت المشهد السياسي اللبناني خلال الأيام القليلة الماضية وقدمت للمراقبين منطلقا لفهم طبيعة المرحلة المقبلة. المشهد الأول تمثل بإطلاق الرئيس ميشال سليمان ورشته العملية الجدّية الأولى من خلال استضافته لجولات الحوار بين ممثلي الطوائف الرئيسية في لبنان، بينما تمثّل المشهد الثاني باستمرار المراوحة في ما يخص المشاورات لتشكيل أول حكومة وفاقية بعد الأزمة الخطيرة التي عصفت ولا تزال بالوطن، وتمحور المشهد الثالث حول ما يسمّى بالمفاوضات التي تجري في السر وبالوساطة الأوروبية بين حزب الله اللبناني وإسرائيل بهدف تبادل الأسرى بين الطرفين.
ففي الوقت الذي عزّزت فيه المحاولة الحوارية الأولى بارقة الأمل التي برزت منذ لحظة انتخاب الرئيس سليمان رئيسا للبلاد، وألقت بنورها على الظلال العبثية القاتمة التي نرصدها في كل شارع وبيت، فإن المشهدين الآخرين وبرغم تفاوتهما من حيث المعنى والمغزى قدّما صورة مختلفة كليا قد تسمح للبعض بإثارة علامات استفهام حول ماهية التطور الذي سيعتمد، وفيما إذا كان لبنان سيسلك أخيرا درب الشراكة الحقيقية لكافة فرقائه أم أنه سيبقى مسرحا للتجاذب وتضييع الفرص الثمينة.
ويحق لكل مراقب أن يطرح تلك الاستفسارات المتشائمة انطلاقا من جملة حقائق قد تبدو منطقية لكثيرين ومبالغ بها لآخرين، لكنها تشكل بالأساس مرتكزا يسمح للجميع بالتساؤل: هل نريد وطنا يتشارك فيه أبناؤه في القرارات السياسية والعسكرية وغيرها، أم أننا سنبقى نطرح شعارات شعبوية فارغة من أي مضمون لا هدف لها إلا تحريض الناس على قتل بعضهم بعضا وحضّهم على تمزيق وطنهم؟
فيما يخص الحكومة والمشاركة فيها فإنه قد يكون من المحق، بل ربما من الواجب على كل مواطن، أن يصر على أن التشارك الحقيقي في صنع القرار هو الهدف الذي يصبو إليه الجميع، أخذا بعين الاعتبار طبعا أن اللعبة الديمقراطية تسمح لكافة الفرقاء بممارسة دورهم الضاغط أو المسهّل وفق ما تسمح له إمكانياته، لكن أيضا وفق ما تسمح به قدرات ومقدرات الوطن.
وإذا سلّمنا جدلا بأن الممارسة السياسية الديمقراطية هي حق مقدّس لكل طرف سياسي لا يجب المس به بأي شكل من الأشكال، فإن الواجب الوطني يقتضي منا أن نأخذ بعين الاعتبار أيضا جملة من الأمور التي تقلل من أهمية هذه الممارسة في هذا الظرف الدقيق تحديدا، ما يسمح لنا بأن نطلب من السياسيين والفرقاء «المتورطين» في اللعبة الديمقراطية بأن يكونوا على الأقل أكثر رأفة بشركائهم في الوطن، وأن يجنّبوهم مخاطر التوتر السياسي الذي بدأ يشتعل حتما على الجبهات الإعلامية وينعكس للأسف دما وبارودا حتى في الجبهات الميدانية أيضا.
وقد يستغرب البعض عن سبب هذا التوتر والتصلّب في الآراء والمواقف في ما يخص التشارك والمشاركة في الحكومة العتيدة، في وقت يعلم فيه الجميع أن عمرها قصير جدا أخذا بعين الاعتبار أن حكومة أخرى سترثها بعد بضعة أشهر فقط. هذا الأمر يسمح لنا أن نتساءل مرة أخرى عن الأسباب الحقيقية التي يعتمد عليها هؤلاء للمضي قدما في تعنّتهم وصلابة موقفهم، حيث إن المقعد الوزاري المرجو لن يقدّم أو يؤخر في المعادلة أو الحسابات السياسية المختلفة، ولن يساهم إلا بتأجيج الخلافات وانعكاساتها المختلفة على الصعيد الوطني والشعبي.
أما فيما يخص المشهد الثالث الذي أوردته كمثال يعكس حالة الوطن واحتمالات التطور المستقبلي، فثمة بعض الملاحظات التي أجد من واجبي الإشارة إليها والتي هي بمثابة هواجس يسمعها المراقب بين وقت وآخر في الشارع الذي يمثل طرفا كبيرا من اللبنانيين. فالحالة التي يشكّلها حزب الله اللبناني في المشهد السياسي الداخلي باتت على درجة كبيرة من الأهمية، بحيث لم يعد يقدر أي طرف على الطعن أو التشكيك بأهميتها. والدور الذي أوكل إليه أصبح من الضخامة بمكان، بحيث بات من المنطقي والطبيعي أن يتساءل البعض عن امتداداته وتطوراته المستقبلية، وفيما إذا كان سيكتفي بهذا القدر أم أنه سيمضي قدما بتحقيق طموحات قادته ومؤسسيه الأوائل.
والإشارة إلى مسألة تبادل الأسرى بين حزب الله وإسرائيل لم تكن تهدف بأي شكل من الأشكال إلى الطعن بكرامة هذا الحزب أو المس بتضحياته على مر السنين، بل لوضع اليد على جرح ينزف منذ زمن ويسمّى لدى البعض «بالمشاركة الحقيقية» في صنع القرار، أخذا بعين الاعتبار أن الطرف الذي يمثل حزب الله رأس حربته يطالب به منذ زمن بعيد، في حين يطالب الطرف الآخر «بالمشاركة الحقيقية» أيضا لكن في سياق آخر.
ويبدو بأن الدور الذي يلعبه حزب الله من خلال تبادل الأسرى يضعه في الوقت الحاضر أمام حقائق دقيقة، فهو وإن كان قد حسم خياراته العقائدية والجهادية منذ زمن بعيد ويصر على اقتناعه التام بما يفعله، إلا أنه سيكون مضطرا للإجابة عن استفسارات القوى الأخرى المشاركة في اللعبة الديمقراطية الداخلية، التي سيحق لها أن تتساءل عن الدور المناط بحزب الله، وفيما إذا كان منطقيا في ظل الدعوات المستمرة للمشاركة والتشارك، أن يمضي قدما في ممارسة دوره الانفرادي التفاوضي بشأن تحرير الأسرى اللبنانيين في السجون الإسرائيلية، وبالتالي تهميش دور الدولة اللبنانية ووضعها في نفس الموقع الحقيقي المحرج الذي قد يتمناه لها أعداء لبنان.
إنها بلا شك مفارقات فريدة لكنها آنية جدا في المشهد السياسي الداخلي، ولا يعتقدن أحد بأنها ستطوى إلى ما لا نهاية. فقطار السلام الداخلي قد انطلق على ما يبدو وإن بوتيرة بطيئة جدا وعلى سكة مليئة بالآلام، ومن يعتقد بأن التحالفات السياسية القائمة حاليا ستبقى على حالها سيصاب بخيبة أمل كبيرة.
يبقى أن نتمنى للرئيس سليمان كثيرا من الصبر والتفهم .. وخوض معركة وجود الوطن حتى النهاية.
كاتب لبناني
