تتحكم الولايات المتحدة الأميركية بحالات التوتر التقليدية والحديثة عبر العالم. ذلك ناتج عن المنهجية الأميركية التقليدية بتطبيق سياسة القبضة الحديدية «أحادية الجانب» في حل القضايا السياسية. الأمثلة على ذلك كثيرة بدءاً بكوريا وفيتنام ومروراً بقضايا أخرى عبر العالم قبل الحديث عن القضايا الحالية المستعصية.

في الشرق الأوسط تواصل الولايات المتحدة اعتماد الحل العسكري كوسيلة وغاية في آن معاً. يتم ذلك عن طريق إمداد الكيان الإسرائيلي بكل أشكال الدعم العسكري والتقني والمالي لإبقاء الذراع الإسرائيلية قوية ضاربة في وجه العرب عامة والفلسطينيين خاصة. بعد ما ينيف عن نصف قرن من الفشل الذريع المستمر في إدخال السلام إلى المنطقة لا تزال الإدارة الأميركية تتبع نفس المسار العقيم العاقر.

منذ العام 1990 أقدمت القيادة الفلسطينية على تقديم تنازلات حاسمة بل مصيرية طمعاً في كسب ود الجانبين الأميركي والإسرائيلي وحملهما على الجنوح باتجاه السلام. لكن ذلك لم يعِن على تخفيف التصعيد والمغالاة في التوتر ولو بخطوة حاسمة واحدة من مثل وقف عملية الاستيطان اليهودي في الأراضي العربية المحتلة عام 1967.

فوق ذلك فالسياسة الأميركية تعمل على إبقاء الطرف الإسرائيلي قوياً عسكرياً بشكل مطلق، مع ما يتبع ذلك من عنجهية وعربدة إسرائيليتين. في الوقت ذاته تستمر الإدارة الأميركية في تطبيق سياسة «الضحك على اللحى والذقون العربية» عن طريق خلق مبررات عن عدم إحراز أي تقدم باتجاه السلام المنشود رسمياً وشعبياً.

حديثاً وبالذات بعد حوادث الحادي عشر من سبتمبر 2001 أقدمت الولايات المتحدة على تطبيق سياسة القبضة الفولاذية في التعامل مع القضايا المستجدة أو المستحدثة!. قامت الولايات المتحدة باحتلال دولتين بتهم الإرهاب وأسلحة الدمار الشامل. تواجه السياسة الأميركية في العراق وأفغانستان الفشل الذريع.

بعد سنين من الاحتلال العسكري لا تزال الأوضاع المتأزمة تراوح مكانها ولا يبدو أن الأوضاع ماثلة للتحسن والسير باتجاه الاستقرار والسلام. ذلك ما ينعكس سلباً على السلام المحلي والإقليمي والدولي. لم تستفد الإدارة الأميركية من دروس كوريا وفيتنام والشرق الأوسط وتستمر في «عسكرة» هذه القضايا بالانحياز التام لطرف سياسي ضد آخر.

ذات الأسلوب العاقر يستعمل الآن في التعامل مع قضية الملف النووي الإيراني السلمي. الجميع يعرف أن هذا البرنامج يهدف إلى إنتاج الطاقة الضرورية في العصر الحديث للتغلب على مشاكل الطاقة المستعصية والمتراكمة. في الوقت ذاته فإن إيران ليست بحاجة إلى استعداء أحد لا حالياً ولا في المدى المنظور، على الأقل.

الركون الأميركي لسياسة التلويح بالعصا الإسرائيلية الفاشلة مسبقاً، والفاشلة في المنطقة على مدى قرن من السنين، يضاعف الأمور سوءاً. تقوم إسرائيل باستعراض عضلاتها الجوية، ذات العظم واللحم والدم والعصب والتحكم الأميركي، في سماء منطقة شرق البحر المتوسط. ذلك تزامناً مع ما تقوم به أبواق الدعاية والإعلام الأميركية بالتضخيم لهذه المناورات، وأنها تمثل التوجه الأميركي للتعامل مع قضية الملف النووي الإيراني.

إضافةً إلى الاعتبارات السياسية العامة والانتخابات الأميركية والإسرائيلية بوجه خاص فإن هذه التحركات لن تنجح في التقدم باتجاه حل قضية الملف النووي الإيراني المفتعلة أصلاً. زج إسرائيل في القضية سيزيدها تعقيداً وتعنتاً واحتماليةً على الدخول في مواجهة مفتوحة قد لا يسلم منها تبعاتها أحد، محلياً وإقليمياً ودولياً.

لا تأبه الإدارة الأميركية لنداءات قادة الدول الإقليمية والتي تتلخص في أن المنطقة هي آخر من يحتاج إلى مناورات سياسية عسكرية، خاصة إذا ما كانت إسرائيل جزءاً منها. رغماً عن أنف الشعوب والقيادات تستمر الإدارة الأميركية في التصعيد العسكري وحشد الشعوب ميدانياً ضد بعضها البعض لخدمة أهدافها وأغراضها وسياساتها ونزواتها الإقليمية والدولية.

من يدفع ثمن كل ذلك؟! هي الشعوب والدول، الأصدقاء والأعداء. التواجد الأميركي في المنطقة في جله يعتمد على ذراع عسكرية ضاربة مقابل مصالح حيوية أساسية تهم بالدرجة الأولى والأخيرة شعوب ودول المنطقة.

خلاصة القول الفصل، فالإدارة الأميركية تتبع نفس الأسلوب العسكري في حل القضايا السياسية في مختلف بقاع العالم. التركيز التقليدي هو في منطقة الشرق الأوسط الكبير الذي يمتد من المغرب العربي شرقاً حتى الجزر الإندونيسية، ويشمل قضية جنوب الفلبين في ذلك. في كل تلك القضايا فالسياسة الأميركية ذات معيار مزدوج متمثل بـ «الأنموذج الإسرائيلي الشرق أوسطي». الدعم الفني والعسكري والمالي شبه الكامل لطرف على حساب الآخر. قد يهدأ الأمر قليلاً وعلى مضض عند طرف، لكن سلاماً دائماً عادلاً مستقراً هو في حكم الغائب الدائم في أية قضية تدخل فيها السياسة الأميركية ذات الروح التقليدية الاستعمارية.

لا يغيب عن البال أن التلويح الدائم باستخدام الذراع العسكرية لحل قضية سياسية هو من باب الإخفاق والفشل في التعامل مع تلك القضية. أمر يتطلب من القيادات المحلية والإقليمية والدولية البحث عن بدائل لذلك التدخل الأميركي الذي لا يجلب معه بشكل عام وللمناطق المستهدفة بشكل خاص إلا القلق والتحسب والدمار والفوضى والصراعات المزمنة.

لماذا يستمر المشمولون في تلك النزاعات الدولية بالركون إلى مصدر ثبت ويثبت إخفاقه وفشله في كل القضايا التي تدخّل فيها بالدعوة له أو بالتطوع منه أو لمآرب أخرى؟!. لماذا لا يتبع المسؤولون سياسة تعتمد على القول الشعبي المأثور «ما حك جلدك إلا ظفرك»؟!.

لكن الواقع الميداني يبدو من البؤس بمكان بحيث يتعذر على القيادات المحلية والإقليمية حل قضاياها بأنفسها. تضطر تلك الأطراف إلى أن تلجأ إلى فريق ثالث معروف بفشله لوضع حلول لتلك القضايا هو آخر من يهتم بنجاحها.

جامعة الإمارات

Nasrin@uaeu.ac.ae