عندما تكتب لا يتصل بك إلا القليل من القراء ولربما قد لا يتصل بك أحد على الإطلاق، إلا أنك عندما تخرج على كل هؤلاء في حوار تلفزيوني محلي أو إقليمي تناقش بعضا من قضايا الداخل الساخنة، تنهمر عليك المكالمات والرسائل النصية والتعليقات، بعضها مادحا ومقدرا لما قُلت وأخرى معترضة على بعض أو كل ما قلت وما لم تقل، وبعضهم الآخر قد يذهب ليقول لك أنك من المفترض أن تقول كذا وكذا.

وكأنك ممثل لقوى سياسية بعينها أو ممثل لقوى الموالاة أو المعارضة في برلمان لم يعد ما يقال فيه وما ينقل عن أعضائه محفزا للحديث، وكأنك تتفق بالضرورة مع وجهة النظر التي يطرحونها، وبعضهم الآخر يرغب في أن تقول كلاما يقولونه في أحاديثهم الشخصية والجانبية، أو كلاما مرسلا يقرأونه على بعض المواقع الالكترونية أو من قبل بعض المراجع السياسية.

فالحديث في السياسة في منطقتنا هو حديث في الكل وللكل، وهو حديث تسمع فيه الكثير من الانطباع والكثير من الذاتية والتسطيح، كما وتسمع منه القليل من المعرفة والجدية. وحديث السياسة عندنا هو حديث في: مع من تكون أو ضد من تقف.

فالسياسة عندنا تفرز نفسها في برزخين: برزخ الأخيار وبرزخ الأشرار (جعلنا الله دائما من الأخيار الذين يسمعون القول فيتبعون أحسنه)، وكلما كان الحديث في موضوعات ساخنة كلما كان حديثا تنشده العامة وتطرب له. وقلما تطرب الآذان لكلام في العقل أو للعقل.

وكنت في الأسبوع الماضي في ضيافة تلفزيون البحرين في برنامج «الكلمة الأخيرة». وكان حديثا حول بعض من هموم الداخل كما جاءت في بعض ما كتبت عن مجتمعاتنا. ورغم تعدد موضوعات النقاش إلا أن أهم خلاصات حديثنا كانت في التالي:

أولا: أن موضوع الاستقطاب الطائفي الذي تشهده البلاد لعبت فيه أطراف عدة، رغم أنها تبدأ ببعض الدعاة ونواب الشعب إلا أنها لا تنتهي إلا عند المجتمع، وهي حالة لا يمكن وأدها بالتمني دون أن تصل للممارسات والقرارات. فالطائفية لعبة قد تخدم البعض على المدى القصير، إلا أنها مدمرة للدولة والمجتمع على المدى الأبعد والطويل.

ثانيا: إن الدولة، أي دولة كانت، ونتيجة لطبيعة دورها وتغلغلها داخل المجتمع، وتحديدا في المجتمعات ذات التعددية الثقافية، فإن هذا يفرض عليها قدرا من التمنع عن نسج تحالفات مع قوى هي في الأساس ذات نوازع إقصائية لطبيعة خطابها وممارساتها على أرض الواقع. وإن توظيف هذه القوى قد يكون ذا عائد سياسي مربح على المدى القصير، كما أثبتت في ذلك تجربة مصر والأردن وغيرهما، إلا أنها مغامرة ذات كلفة سياسية ومجتمعية عالية في المجتمعات ذات الطبيعة التعددية: الإثنية والثقافية.

ثالثا: يمثل الإسلام السياسي قوة ذات نفوذ متعاظم، إلا أن هذه القوة الناتجة عن التوظيف السياسي للدين لا تعني حقا لها في التفرد بالفضاء السياسي المحلي وإقصاء الأطراف السياسية والثقافية الأخرى.

رابعا: تمثل الطبقة الوسطى في عموم المنطقة جماعة هي في طور تشكيل هياكلها الفكرية ومرجعياتها السياسية، وهي طبقة ما زالت متأثرة بتضامنياتها التقليدية: المذهبية والإثنية. ونتيجة لذلك فإنه رغم كبر حجمها إلا أنها غير قادرة على أن تلعب ذات الأدوار والوظيفة السياسية التي تلعبها الطبقة الوسطى في المجتمعات المتقدمة، من حيث كونها تشكل عنصرا أساسيا لأمن النظام السياسي والسلام الأهلي.

خامسا: هناك فئة جديدة باتت تمثل جزءا من المجتمع البحريني وهي الفئة التي تسمى «بالمجنسين الجدد»، ودون الدخول في ما يثار من نقاش سياسي حول العملية برمتها، فإن سلامة المجتمع من الناحية السياسية والاجتماعية ولربما الاقتصادية، تتطلب درجة من البحث في آليات إدماج هذه الفئة ضمن الأطر المحلية، وهو الأمر الذي لم تلتفت إليه الأطراف الرسمية والقوى السياسية والأهلية على حد سواء.

سادسا: يمثل مدخل السياسات الاجتماعية أحد أهم المداخل التي أثبتت قدرة في تجاوز حالة الاستقطاب المذهبي والاقتصادي، وهو كمدخل قد اختبرت آلياته في الكثير من المجتمعات ذات التنوع الثقافي والإثني الواضح، كماليزيا وكندا... وغيرهما. كما أن الركون لخيارات الإصلاح في شقيه السياسي والاقتصادي دون الالتفات للجانب الاجتماعي، قد يعرقل من مسيرة الإصلاح بشكل عام.

وأعتقد أن هذه المعضلات لا يقع طرق أبواب الحل لها من قبل طرف دون آخر، بمعنى أن الحل فيها يتطلب قدرا من الشراكة المجتمعية الأوسع، كما أن الدخول في الحل يتطلب قدرا من المرونة العقلية من قبل طارقي الحل، وتبني حقيقة أن الإصلاح كعملية لا بد أن تكون شاملة وتحمل في داخلها قُدرة على إنتاج أجيال جديدة ترفد وتعزز من خطواتها الأولى.

كاتب بحريني>