في الوقت الذي لم يصدر فيه مجلس الأمن إدانة لشرعية الانتخابات الرئاسية في زيمبابوي، وحالت فيه معارضة جنوب إفريقيا وروسيا والصين وإندونيسيا وفيتنام دون تبني «المجتمع الدولي» لمشروع القرار البريطاني المدعوم أميركيا وفرنسيا..
وبينما أقر وزراء خارجية الاتحاد الإفريقي في «شرم الشيخ» المصرية بشرعية الانتخابات الرئاسية في زيمبابوي، والتي أسفرت عن إعادة انتخاب المرشح الوحيد وهو الرئيس روبرت موجابي المناهض للغرب لولاية سادسة، داعين لحكومة وحدة وطنية تضم المعارضة، بعد انسحاب مرشح المعارضة المدعوم من الغرب والذي لجأ إلى السفارة الهولندية احتجاجاً على العنف ضد مناصريه، وعلى ما وصفه بالإجراءات غير الديمقراطية للنظام الحاكم..
أعلن المندوب الأميركي في الأمم المتحدة «زلماي زادة» أن واشنطن ستحشد «المجتمع الدولي» لفرض عقوبات على زيمبابوي وعلى الرئيس موجابي لعدم شرعية الانتخابات الرئاسية المخالفة للديمقراطية، وإلحاقا بالموقف الأميركي أعلن رئيس المفوضية الخارجية الأوروبية «خافيير سولانا» الموقف ذاته، في الوقت الذي ارتفع فيه التهديد والوعيد خاصة في لندن وباريس. والملاحظ أن معظم الدول في الغرب والشرق، وجل الأحزاب الحاكمة والمعارضة في العالم ترفع شعارات الديمقراطية، وتتسمى بصفتها وتدعي تطبيقها، وتتهم خصومها بمخالفة الديمقراطية، حتى ان الانقلاب عليها يتم أيضا باسم الديمقراطية، وحتى الممارسات الديكتاتورية تجري باسم حماية الديمقراطية.
فعن أية ديمقراطية يتحدث هؤلاء؟! هل عن الديمقراطية على الطريقة الأميركية والأوروبية التي تمارسها مع شعوبها، بينما تنقلب على نتائج الديمقراطية في البلاد الأخرى إذا أفرزت النتائج من لا يروق لها؟!.. أم هي اللاديمقراطية في ممارسات الدول الموالية لها والتي تلقى الدعم والتحالف ولا تلقى الاعتراض عليها طالما بقيت غير مناهضة لسياساتها العالمية غير الديمقراطية؟!
حتى أصبح المتابع لمعظم هذه الدعاوى الغربية يشعر أنه يشاهد في العالم الثالث مسرحية اسمها الديمقراطية، ولا شيء فيها من الديمقراطية سوى عملية الانتخابات الشكلية، ومشاهد طوابير الممتنعين أو الممنوعين عن الترشح أو التصويت في الانتخابات، أو طوابير المساقين للتصويت بالقوة أو بشراء الأصوات، بما جعل المشهد الانتخابي أشبه بالسيرك الانتخابي!
ونتيجة لتعارض الرؤى حول شكل ومضمون العملية الديمقراطية، ولازدواج المعايير الغربية، بادعائها حماية حمى الديمقراطية بينما تحاول فرض سياساتها ومصالحها على الدول النامية بكل دكتاتورية، وإلا كان جزاؤها حرمانها من شهادة الغرب لها بالديمقراطية، والانتقال إلى فرض العقوبات والتآمر، بل والغزو لقلب أنظمة الحكم المناهضة لها بتهمة اللاديمقراطية!
منطق الغرب معنا في التجارب الانتخابية العربية والإسلامية في فلسطين وفي لبنان وفي إيران وباكستان، هو نفس المنطق، من ليس معنا فهو ضدنا، ومن هو ضد أجندتنا الإمبراطورية فهو مخالف للديمقراطية ولحقوق الإنسان، ولو كان ديمقراطيا بشهادة المراقبين الدوليين، ومن معنا فهو ديمقراطي ولو كان مخالفا لا للديمقراطية فقط ولكن للدستور والقانون وحقوق الإنسان أيضا!
ولا نقول هنا من هو الديمقراطي ومن هو اللاديمقراطي، بقدر ما نقول في النهاية إن المعيار الأميركي والأوروبي للانتخابات الإفريقية والعربية ليس معيارا مبدئيا بل مصلحيا، «من معنا فهو الديمقراطي ومن ليس معنا فهو اللا ديمقراطي» . هذه هي الديمقراطية!