من غير المفهوم، ولا المقبول طبعاً، أن تتجدّد المناكفات ويعود التوتر إلى السطح؛ بين «فتح» و«حماس». في اللحظة التي كانت فيها الأمور قد بدأت تبدو وكأنها تتجه نحو الحلحلة الواعدة، بين الفصيلين؛ وإذ بلغة الاقتحام والتراشق والتهديد، تطل برأسها فجأة وبصورة تهدّد بفتح الجروح السابقة ورش الملح عليها. ولم يكن هناك ما يستدعي الذهاب إلى هذا الحد. خاصة وأن أجواء التباعد كانت قد بدأت تتراجع، في الآونة الأخيرة، لصالح استرخاء متزايد؛ في العلاقة بينهما.
كانت حالة من الانفتاح قد أخذت تشق طريقها إلى داخل الساحة الفلسطينية. تعبيراتها تراوحت بين إشارات إيجابية متبادلة، حول العودة إلى الحوار؛ وبين تحقق الإجماع، ولو مع بعض التحفظات، على التهدئة وضرورة إعطائها الفرصة اللازمة. محاولات إسرائيل لخرق التهدئة، كانت متوقعة. ومن المفترض أن القوى الفلسطينية تدرك ذلك تماماً. الهدوء والتقارب بينها، لا يروق للاحتلال؛ ولا يريده.
في كل الهدنات السابقة، مارست إسرائيل التخريب والانتهاك؛ للإبقاء على خلافات الساحة الفلسطينية وتأزيمها. وهذا ما فعلته قبل أيام، عندما لجأت، بعد إعلان التهدئة مع غزة، إلى استئناف الاغتيالات في الضفة. وكأن حكومة أولمرت تعمّدت ذلك لاستدراج رد من القطاع؛ يكون مدخلاً لتعكير العلاقات الفلسطينية ـ الفلسطينية.
ويبدو أنها نجحت، إلى حدّ ما، في التفخيخ. ففي غزة، حصل اقتحام واعتقال. تبعهما، من الضفة، تهديد بضرب مصالح المقتحم. رافق ذلك تلويح بعدم الاعتراف بشرعية الرئيس الفلسطيني، إذا لم تحصل انتخابات رئاسية في يناير القادم. الأمر الذي جرى الرد عليه، برفض التهديد. وهكذا في أقل من يومين، تلبّدت الأجواء، بين الجانبين.
والمفارقة الصارخة هنا، هي أنه في اللحظة ذاتها التي تتحقق فيها تهدئة بين إسرائيل وطرف فلسطيني؛ تتجمع فيها غيوم الانفجار، بين الفلسطينيين أنفسهم. معادلة لا تستقيم مع منطق الصراع ومقتضياته. ناهيك بالمصلحة الوطنية للشعب الفلسطيني وقضيته. إذا كانت الظروف قد قضت بترجيح كفة التهدئة مع إسرائيل وإعطائها الأولوية؛ فمن باب أولى أن ينسحب ذلك على العلاقات الفلسطينية - الفلسطينية.
فلا يعقل أن تكون قوة الاحتلال قادرة على التوصل إلى هدوء مع الفلسطينيين؛ في حين يتعذر على هؤلاء التقارب. بل في حين يواكب الهدوء على جبهة العدو، تصعيد متسارع بين الضفة وغزة. ففي ذلك سقوط محقق في مصيدة إسرائيل. مهما كانت الحسابات والذرائع. ثمة أولوية مطلقة، في هذه اللحظة، لرأب الصدع الفلسطيني.
على الأقل، بالحدّ الأدنى؛ الذي بدونه تبقى المصلحة الفلسطينية، وحتى مصالح الأطراف الفلسطينية بالمفرّق، مكشوفة تماماً. وتجربة سنة ونيّف تؤكد ذلك. شبعت الساحة الفلسطينية من الانقسامات وذيولها وخسائرها. وقف النزف الداخلي، صار مسألة مصيرية. التهدئة مع إسرائيل، تستوجب حالة أهلية مماثلة. البديل خدمة مجانية لإسرائيل.
