ليس من المبالغة في شيء القول بأن إجتماعات القمة الحادية عشرة للاتحاد الإفريقي التي تبدأ اليوم الاثنين في مدينة شرم الشيخ تعد من أكثر قمم الاتحاد الافريقي اهمية، ليس فقط بحكم حرص مختلف القيادات الافريقية الفاعلة على المشاركة فيها، وحرص القاهرة على تأمين نجاح القمة كذلك.

ولكن أيضا لأن هذه القمة التي خصصت الجزء الأكبر من إهتماماتها - كما كان مخططا لها - للقضايا الإقتصادية على مستوى القارة والسعي إلى دفع التنمية الافريقية خطوات إلى الأمام خاصة فيما يتصل بقضايا المياه والغذاء والصحة، وجدت نفسها أمام عدد من القضايا السياسية التي تفرض نفسها بقوة أمام القادة وهو أمر لا يمكن تجاوزه أو التقليل من اهميته .

في هذا الاطار فإنه إذا كانت الدول الافريقية قد نجحت حتى الآن على الاقل في منح القضايا الإقتصادية، سواء على صعيد التنمية الوطنية أو الأقاليمية - أي متعددة الاطراف - أو على صعيد التعاون والتنسيق في إطار مجموعات فرعية مثل الايجاد والنيباد ومجموعة دول الساحل والصحراء ومجموعة دول جنوب القارة الافريقية وغيرها، فإنه من المهم والضروري التأكيد على حقيقة تفرض نفسها بقوة، في إفريقيا وخارجها ايضا، وهي أن التنمية والتعاون والتنسيق الإقتصادي بين الدول على أي مستوى، ثنائيا كان أو متعدد الأطراف لا يمكن أن يتقدم ويترسخ الا في إطار من الثقة المتبادلة والاستقرار السياسي والأمني.

وهذه النقطة تحديداً هي التي جعلت القضايا السياسية والأمنية الافريقية تطفو على السطح، برغم كل النوايا الطيبة لمختلف الدول الإفريقية التي تتطلع في معظمها على الأقل إلى نوع من الاستقرار وتأمين قدر من التقدم الإقتصادي ولو المتواضع لشعوبها التي عانت الكثير ولا تزال تعاني.

وإذا كانت الدول الافريقية تتوفر لها - وفق العديد من الدراسات الموضوعية والمعلنة - امكانات اقتصادية وموارد كبيرة ومتنوعة يمكن أن تنتشلها من الواقع الاقتصادي المتدهور الذي تعيشه كثير من شعوبها، فإن الخطوة الأولى على طريق تحقيق ذلك ليست البيانات الفضفاضة، ولا الخطوات الرنانة، ولكنها الإتفاقات العملية لاستثمار الموارد الافريقية وتهيئة المناخ الافريقي الضروري لذلك والذي يحتاج إرادة سياسية كافية والتزاما قويا بوقف أساليب اثبتت فشلها على مدى نصف قرن مضى وهي أساليب التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى وتصدير القلاقل أو دعم خصوم دول أخرى أو محاولات الاخلال بالحدود والتوسع على حساب الآخرين.

نعم هناك الآن الكثير مما تعانيه دول افريقية عديدة بسبب هذه الأساليب التي تستنفد الجهد والأموال وتبدد أيضا الثقة المتبادلة بين الدول الافريقية وهو ما يعرقل ويقلل من امكانية عملها المشترك معا بشكل فعال وملموس. فهل ستتمكن قمة شرم الشيخ التي تبدأ اليوم وتستمر حتى يوم غد من اتخاذ خطوات عملية ملموسة من اجل بناء مناخ افريقي أكثر هدوءا وأقل توترا وأكثر استعدادا لحل قضايا الصومال وجيبوتي ودارفور وتشاد والصحراء المغربية وقضايا جنوب القارة كذلك ؟

على أية حال فإنه في ظل الازمة الخانقة التي تأخذ بخناق الدول الافريقية فيما يتصل بارتفاع أسعار المواد الغذائية من ناحية ومخاطر المجاعة التي تهدد أكثر من منطقة في افريقيا وفقا لما اعلنته منظمة الفاو من ناحية ثانية، وارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية وما يفرضه من أعباء على دول القارة فإن مسؤوليات كبيرة تقع على عاتق قادة افريقيا اليوم وغدا من أجل تأمين سبل حياة افضل أو على الأقل أكثر هدوءا واستقرارا وأمنا وقابلية للتطور لشعوبهم. ولعل الخطوة الأولى أن يلتزم الجميع بالقانون والشرعية الدولية والامتناع بحق عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى. فهل سيتمكنون من ذلك؟