كأن أعضاء مجلس الأمة الكويتي أرادوا أن يكون (ختامها مسكاً )، فقد أقر هؤلاء ــ أو بالأحرى ــ (سلق هؤلاء سلقاً) الموازنة العامة للدولة والمقدرة بتسعة عشر مليار دينار في جلسات قليلة ليستريحوا من عناء الإرهاق الذي أصابهم خلال الحملة الانتخابية التي جرت قبل شهرين.

ولعله من المفرح ذلك التعهد الذي صدر عن الحكومة بتوظيف 14 مليار دينار من تلك الميزانية في المشاريع التنموية، وتخصيص الباقي لتغطية عجز مؤسسة التأمينات الاجتماعية.

وقد سجلت الحكومة بهذه الخطوة من حيث تدري أو لا تدري هدفاً في مرمى »الأعضاء« حيث انها بدت احرص منهم على استثمار المال العام بدلاً من تبديده!

إذ ما زال تندر رواد دواوين الكويت ومنتدياتها وسيل المقالات المنتقدة لأبرز كتابها من أصحاب الزوايا قائماً على مسلك مكتب مجلس الأمة الذي رفع سكرتارية النواب الخمسين إلى خمسة عشر بدلاً مما هو حاصل حالياً وهو خمسة سكرتارية للنائب الواحد!

وتساءل الكويتيون عن حاجة النائب إلى هذا العدد الكبير من المواطنين الذين هم في سن العمل والعطاء والذين قد تحتاجهم جهات أخرى عادة ما يعملون بها، ليتحولوا إلى جيش من العاطلين يتسكعون في أروقة المجلس دون شغل ولا عمل، خاصة ان السبعمئة والخمسين سكرتيراً هؤلاء سيكلفون ميزانية الدولة تسعة ملايين دينار سنوياً وقد يصل الرقم إلى خمسة عشر مليوناً لو أضيفت إليه بعض المزايا.

ويبدو أن من بيدهم التدبر قد تحولوا هم أنفسهم إلى أول المبذرين بحيث باتوا يساهمون في هدر المال العام دون أدنى اهتمام إلى تنمية ذلك المال وزيادته عبر المشاريع النافعة. وربما هذا المسلك يمثل العقلية السائدة في المجتمع التي باتت تردد »اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب« دون أن تتذكر أن »القرش الأبيض لليوم الأسود«! فالإنفاق الاستهلاكي ــ .

كما تؤكد دراسة لغرفة تجارة وصناعة الكويت نشرت مؤخراً ــ يمثل 75% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما لا يتجاوز الإنفاق الاستثماري نسبة 9% من هذا الناتج!! وهذا التوجه في الإنفاق العقيم ــ تخلص الدراسة ــ سيؤدي حتماً إلى نقص خطير في مناعة الكويت الاقتصادية والسياسية والأمنية!!

وعاشت الكويت قبل ذلك في صخب سياسي كان مبعثه (وثيقة دواوين أهل الكويت ) حيث حاول رواد بعض الدواوين التي لها حظوة عند السلطة، مخاطبة أمير البلاد الشيخ صباح الأحمد بشأن الحياة النيابية مستفيدين من التحذير الذي وجهه الأمير إلى أعضاء المجلس بالابتعاد عن الشقاق والمزايدة في افتتاح الدورة الحالية، والتي جاءت بعد حملة انتخابية اتسمت بارتفاع سقف المطالب فيها فضلاً عن حدة الانتقادات والاحتكاكات مع أبناء القبائل لمنع الفرعيات.

وجاء في الوثيقة، التي سلمت للأمير قبل أسبوعين ما يلي: »وتأكيداً لتجسيد ما نرمي إليه قولاً وفعلاً نضع كل إمكانياتنا بتصرف سموكم لبلوغ ما استهدفتم من غايات وطموحات داعين سموكم ــ حفظكم الله ــ إلى اتخاذ كل الخطوات الكفيلة بضمان تنفيذ هذه التوجيهات الحكيمة حماية للكويت وأهلها وصيانة للدستور ولممارسة الديمقراطية السليمة بما يعزز مكانة الكويت في حاضرها ومستقبلها«.

وقبل أن تصل الوثيقة إلى المراجع العليا كان مجلس الأمة قد عقد »جلسة سرية« بشأنها، كانت سرية في شكلها فقط، أما ما دار فيها فقد نشر على الملأ في اليوم التالي! وفيها علت نبرة النقاش، حيث اتهم بعض النواب الحكومة بأنها تشجع تلك الوثيقة بدليل أن أحد وزرائها من الموقعين عليها.

وقد اعترف وزير المواصلات عبد الرحمن الغنيم بأنه وقع بالفعل على تلك الوثيقة واعتذر للمجلس على ذلك. وفي الجلسة، اتهم النائب أحمد السعدون، الرئيس السابق للمجلس والذي يعتبر زعيماً للمعارضة فيه، اتهم رئيس المجلس الحالي جاسم الخرافي بأنه يدفع الأمور »لحل غير دستوري«!

وعلى إثر تلك الجلسة تقدم بعض النواب باقتراح قانون يجرم الحض على حل المجلس حلاً غير دستوري، فما كان من هذا الاقتراح إلا أن أثار زوبعة جديدة، حيث انقسم بشأنه الرأي العام الكويتي بين مؤيد يرى أن ذلك يعتبر تحصيناً للحياة النيابية وآخرين رأوه انتقاصاً من حرية الرأي التي كفلها الدستور.

وقد اعتبرت جمعية المحامين أن الاقتراح ما هو إلا »انحراف تشريعي وإرهاب فكري« في حين رأت جمعية الصحافيين أنه »مخالف لأحكام الدستور«.

ويبدو أن هذا الشد والجذب في الحياة السياسية الكويتية لم يدفع الكثيرين إلى صناديق الاقتراع يوم الأربعاء الماضي لاختيار عضو بديل لمقعد المجلس البلدي الذي أصبح شاغراً بعد فوز أحد أعضائه بانتخابات مجلس الأمة، إذ بلغ عدد الناخبين الذين أدلوا بأصواتهم 9976 ناخباً من أصل 55045 (21955 من الرجال و33090 من النساء) يمثلون نسبة أكثر قليلاً من 18% من إجمالي من يحق لهم التصويت من الرجال والنساء!! وهذه ربما من أدنى نسب المشاركة في مثل هذه الانتخابات!

وإلى أن يعود النواب إلى مقاعدهم بعد عيد الفطر المبارك ستكون الأجواء هادئة فيما يشبه الهدوء الذي يسبق العاصفة!

كاتب كويتي

alyusefi@hotmail.com