كانت ندوة عن الانتخابات الأميركية في مكتب إحدى الجرائد الخليجية بالقاهرة وكان بين الحضور سياسي فلسطيني مخضرم تحدث عن وفاق أميركي إيراني وشيك تم إنضاجه ولم يتم الإعلان عنه ووسط دهشة الحاضرين ــ وكلهم من المتخصصين ــ أكد الرجل أن الطرفين اتفقا على قضايا رئيسة من بينها »تضحية« إيران بالقيادي الشيعي المتشدد مقتدى الصدر مقابل مشاركة إيرانية في الترتيبات الأمنية في العراق للتأكد من أنها لن تستخدم لاستهداف إيران وحل وسط في لبنان وتعهد إيراني بالتزام الحياد إزاء المباحثات الإسرائيلية السورية، ودعم إيراني لحوار بين فتح وحماس وهو ما بدأت شواهده تظهر بالفعل في مفاوضات داكار والزيارة التي قام بها وفد من حركة فتح إلى قطاع غزة قبل أيام للمرة الأولى منذ سيطرة حركة حماس على السلطة في القطاع قبل عام تقريباً.
ويعزز هذا السيناريو الافتراضي إقرار الرئيس بوش للمرة الأولى بحق إيران في الحصول على الطاقة النووية السلمية في تصريحاته خلال زيارته الأخيرة لبريطانيا، وإن كان قد أكد رفضه خيار التخصيب في إيران وامتلاك سلاح نووي، ولعل هذه العقدة الأكبر في هذا الوفاق المحتمل.
بدت التفاصيل مناقضة لما يبدو من ظاهر الخطاب العلني واستشهد الرجل بقصة طريفة عن ردود الفعل المشابهة التي رافقت إعلانه للمرة الأولى عن اتفاق أوسلو وكان توقيعه وشيكا بينما وزراء خارجية عديد من الدول العربية يسمعون للمرة الأولى عن الأمر بل إن بعضهم تطوع بنفي صحة المعلومات!
الحديث عن وفاق أميركي إيراني ليس السابقة الأولى في العلاقات الدولية في الحالات المماثلة، ومن يستبعدون الاحتمال يتجاهلون حقائق مهمة في مقدمتها أن الإيرانيين تعاملوا بشكل براجماتي مع قرار الولايات المتحدة إطاحة نظام طالبان رغم المخاطر التي كان ينطوي عليها قبولهم وجود عسكري أميركي في أفغانستان.
كما تعاملوا أيضا بقدر كبير من البراجماتية مع قرار إطاحة النظام العراقي، وبالتالي فإن التشدد والانطلاق من مقولات أيديولوجية لا ينفي إمكان حدوث الوفاق، بالضبط كما أن الوفاق ــ جزئيا أو مرحليا ــ لا يعني نفي احتمال الصراع غدا أو بعد غد.
وقد يؤدي وفاق قوتين لهما نفوذ دولي أو إقليمي كبير إلى وضع طرف آخر أو أطراف أخرى في مأزق، تعرض الرئيس المصري الراحل أنور السادات لموقف مشابه عندما فوجئ بوفاق أميركي سوفييتي على حساب العرب عندما خرجت مقررات قمة العملاقين المنعقدة عام 1972 لتتحدث عن »تهدئة« في الشرق الأوسط بينما هو يعتمد بشكل استراتيجي على الإمدادات العسكرية السوفييتية لاستكمال عملية إعادة بناء القوات المسلحة المصرية لإزالة آثار عدوان الخامس من يونيو 1967 وكان رد السادات آنذاك جامعا بين العنف والذكاء فقرر مباشرة طرد الخبراء العسكريين السوفييت من مصر لتتدفق الأسلحة السوفييتية على مصر بالمخالفة لمقررات القمة الأميركية السوفييتية التي كانت بداية سياسة الوفاق بين العملاقين.
كما أن انهيار »مظلة« دولية أو إقليمية ما قد يخلق اضطرابات ويعيد هيكلة خرائط على نحو ما حدث في البلقان عقب انهيار الاتحاد السوفييتي، فهل يؤدي الوفاق الأميركي الإيراني لاضطرابات من هذا النوع، على الأرجح يؤدي هذا الوفاق لتهدئة في العراق ولبنان والأرض المحتلة لكنه قد يسبب مأزقا لحزب الله الذي يعتمد بدرجة كبيرة على علاقته المتميزة أو قل الاستراتيجية مع إيران، وبخاصة أن وزيرة الخارجية الأميركية في زيارتها إلى لبنان قبل أيام تحدثت للمرة الأولى عن انسحاب إسرائيلي كامل من مزارع شبعا.
فيما تكمل مصادر لبنانية بقية التفاصيل غير المعلنة للعرض الأميركي إذ تطلب مقابل ذلك إغلاق الجبهة اللبنانية الإسرائيلية نهائيا وتنفيذ القرارات الدولية المتصلة بنزع سلاح حزب الله، وهو ما جعل حزب الله يعبر علنا عن عدم ارتياحه للعرض الأميركي، وجعل أطرافا أخرى في الوقت نفسه تلمح إلى دلالات هذا العرض بالنسبة لسلاح حزب الله، فيما عملية تشكيل الحكومة اللبنانية تعكس حالة المخاض العسير لها الوفاق الأميركي الإيراني.
والوفاق الأميركي الإيراني المحتمل حتى لو لم يترجم بشكل كامل على أرض الواقع درس مهم في التعاطي مع الخصوم بعيدا عن المنطق الحدي المتشدد الذي يعطي الصراع الأولوية على ما عداه من الاحتمالات ويفتح بابا لتغير »مزاجي« في المنطقة كلها، فالقرار السياسي يتأثر بدرجة كبيرة ــ وبخاصة في الدول التي تغيب فيها المؤسسية ــ بالمزاج العام للنخبة الحاكمة وكذلك بالخطاب السائد ودرجة التشدد التي تتسم بها لغة التحليل السياسي.
فعندما تكون »المحرمات« أكثر وضوحا من »الممكنات« تسود »اللاءات« وتطول قائمة الممنوعات، وفي هذه الحالة تصبح سياسات الوفاق مضطرة للهجرة بعيدا عن الأعين في الغرف المغلقة في اجتماعات سرية وتفاهمات ضمنية، وعندئذ يفقد الناس حقهم في معرفة الحقيقة ويصبح هناك خطاب للاستهلاك يؤكد الثوابت وسلوك تحت الطاولة يؤسس توازنات جديدة وحقائق جديدة.
ورغم أن حزب الله ليس الطرف الوحيد الذي يمكن أن يتأثر من هذا المتغير فإنه يظل الطرف الأهم في عملية إعادة صياغة ــ ما زالت قيد الإنضاج ــ تمتد من بغداد لبيروت لدمشق مرورا بغزة، وتشتبك فيها ملفات عديدة.
كاتب مصري