مع الاستعدادات الجارية لخوض رابع دورة انتخابية تشهدها اليمن منذ إقرار التعددية السياسية بالتزامن مع إعادة وحدة الوطن في الثاني والعشرين من مايو 1990م تبرز في خضم هذا المشهد والحراك السياسي، العديد من التساؤلات التي تطرح نفسها حول طبيعة الأداء الحزبي وعوامل تطوره وما أنجزه على صعيد توسيع المشاركة في العمل السياسي وإعداد وتأهيل الكوادر المنخرطة في إطار المكونات الحزبية على الأنشطة الطوعية ومفاهيم العمل السياسي والديمقراطي وكذا الخطوات التي قطعتها الكيانات الحزبية على نطاق البناء المؤسسي لهياكلها والتحول إلى مؤسسات مدنية تمارس الديمقراطية في داخلها.

وفي ضوء هذه التساؤلات تتجلى أهمية أن تقوم الأحزاب والتنظيمات السياسية بإجراء مراجعة شاملة لتقييم أدائها خلال الثماني عشرة عاماً الماضية حتى يتسنى لها الوقوف على جوانب القصور وتصحيح ما ينتاب أداءها من شوائب، وتغدو مثل هذه المراجعة أكثر من ضرورية في ظل التصورات السائدة عن المنهج المتبع، داخل هذه الأحزاب، والذي أثبتت تجربة السنوات الماضية فشله في إحداث التطور المنشود في أداء هذه الأحزاب وترقية تعاطيها مع قواعد اللعبة الديمقراطية وأصول ممارستها، بل ان الكثير من المؤشرات قد برهنت على أن ذلك المنهاج لا يشجع البتة، على التغيير لاعتماده على آليات جامدة ورؤى يغلب عليها الفهم القاصر للمهام الأساسية التي ينبغي أن تضطلع بها المصفوفة الحزبية والسياسية في اطار عملية النهوض الوطني والرقي بحياة المجتمع.

إذ أن من حق الناس أن يعرفوا ما الذي أنجزته هذه الأحزاب طيلة الفترة الماضية؟ وما الذي صنعته وقدمته في سبيل إثراء الوعي بالممارسة الديمقراطية وتأصيل قيم المشاركة الشعبية وإشاعة الثقافة الوطنية باعتبار أن مثل هذه الأهداف هي من الركائز الأساسية للعمل السياسي والحزبي لاتصالها المباشر بنهضة الوطن والارتقاء بحياة أبنائه.

ونعتقد أن من مصلحة هذه الأحزاب اعتماد مبدأ المكاشفة لأن ذلك سيكفل لها تعزيز ثقة الناس بها والحصول على أصواتهم في الاستحقاقات الانتخابية القادمة، وهو أمر يعني المعارضة أكثر من غيرها التي يلاحظ أن رصيدها الجماهيري يتراجع فترة بعد أخرى، بسبب بعض المواقف التي دفعت الناس للابتعاد عنها بعد أن وجدوا أنها تسير عكس التيار في مايخص القضايا الجوهرية المرتبطة بحاضر ومستقبل الوطن.

ومما لا شك فيه أن إقدام أحزاب المعارضة على مراجعة دقيقة لعملها تسبق خوضها لمنافسات الانتخابات النيابية القادمة في ابريل 2009م سيعود بأثره الإيجابي عليها، خاصة إذا ما اتخذت هذه الأحزاب من عملية المراجعة أساساً ومنطلقاً لتصحيح المواقف والتوجهات "والذات المتسيسة" وأدركت فداحة المكابرة والإصرار على اقتراف الأخطاء.

ومن الواقعية أن تأتي البداية بتجاوز أحزاب المعارضة للمفهوم الذي اعتمدته لنفسها والذي ترى من خلاله "أن الإمعان في الخطأ على الرغم من وضوح فشله أسهل من الاعتراف بالفشل وتغيير التوجه" حيث وأن الاعتراف بخطأ هذا المفهوم سيخرجها من دائرة اللا مبالاة..!! التي عشعشت في داخلها وصارت تتحكم في تصرفات قياداتها ومواقفها.

حيث وأن أخطر ما في هذه اللامبالاة أنها تكرس الشعور لدى هذه الأحزاب بالترهل والذاتية وتصيب قياداتها بعمى الألوان إلى درجة تبدو فيها وكأنها قد انفصلت عن وطنها ومجتمعها ولم تعد تفكر إلا بنفسها ومصالحها وما تجنيه من المكاسب والمنافع. وهي بذلك إنما تدفع بكياناتها نحو الضياع والنهايات الوخيمة!.

وتلك أولى الجنايات والآثام التي يتعين التكفير عنها باتباع المنطق الديمقراطي السليم والإذعان للحق والصدق في التعامل مع قضايا الوطن، فالحق أحق أن يتبع.